بدأت الديبلوماسية الاميركية في الأمم المتحدة تبتعد عن قفص الاجماع الذي سعى اليه اعضاء مجلس الأمن الدولي عند تناولهم ملفات شائكة ومهمة، لأن الاجتماع بات يقيد خياراتها ويساعد في المماطلة. اجتماع وزراء الخارجية في نيويورك مطلع الاسبوع المقبل سيكون في منتهى الأهمية ليس فقط للقضايا التي سيتناولها وتشمل ايران ولبنان وسورية وفلسطين واسرائيل. سيكون مهماً في إطار العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا، كما بين واشنطن وبكين، إذ قد يمتحن الوزراء بعضهم بعضاً الى أقصى حدود الديبلوماسية. وهذا يعني بروز استراتيجية جديدة تقوم ليس على الطلاق من الاجماع وانما على احترام الاختلاف في الأولويات والمصالح.

إفرازات الاسلوب الجديد غير واضحة بعد، اذ قد تدفع الى التصلب تحدياً أو الى المرونة اضطراراً. الواضح ان مواقف ايران وسورية وحكومة «حماس» ستلعب دوراً أساسياً في المواقف التي ستتبناها روسيا والصين أمام الاستراتيجية الاميركية الجديدة المدعومة بريطانياً وفرنسياً. انها بداية المواجهة.

المصالح النفطية والاقتصادية والاستراتيجية هي التي تسيّر السياسة الروسية والصينية نحو ايران، انما ليس نحو سورية. الصين تكاد لا تتعاطى مع ملف لبنان وسورية ولا مع ملف فلسطين إلا عند الحاجة، لكنها تلعب دور القيادة في الملف الايراني. روسيا ايضاً تضع ايران في مرتبة مختلفة تماماً عن المرتبة التي تضع فيها سورية. فسورية قد تكون في ذهن بعض الروس آخر موطئ قدم لهم في المنطقة العربية، لكن ايران هي لعبة الكبار آنياً واستراتيجياً.

على رغم ذلك، هناك اندفاع روسي احياناً، داخل مجلس الأمن، لتوفير الغطاء والحماية لسورية ولحجب الضغوط عنها في اطار علاقتها مع لبنان، لكن بحدود. ذلك ان روسيا ومعها الصين، غير قادرة على اقتلاع سورية من المحاسبة لأن قرارات مجلس الأمن ابتداء من 1559، وضعت العلاقة اللبنانية - السورية تحت مجهر الرقابة الدولية واخرجتها من خانة العلاقات الثنائية البعيدة عن الأنظار.

الديبلوماسية الروسية تحاول بين الحين والآخر إعادة المسائل المعلقة، مثل ترسيم الحدود بين البلدين وإقامة العلاقات الديبلوماسية، الى خانة الثنائية على اساس ان لا شغل لمجلس الأمن بها. لكن السيادة وضرورة احترامها مبدأ يصعب على موسكو اعتراضه. مواقف دمشق المتشنجة نحو ترسيم الحدود واقامة العلاقات تتعارض مع الاجماع اللبناني وتتحدى ما دعا اليه الأمين العام كوفي انان في تقريره عن تنفيذ القرار 1559. وهذا يضعف الحجج الروسية عند توفير درع الحماية لسورية من الضغوط الدولية. لذلك، لن يكون سهلاً على وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان يصدر التعليمات باستخدام حق النقض (الفيتو) على مشروع قرار يلزم سورية بالتعاون مع الحكومة اللبنانية لتنفيذ عناصر اجماع الحوار اللبناني. قد يصدر تعليمات الامتناع عن التصويت التي بدورها ستكون محرجة للديبلوماسية الروسية مهما غلفتها بذرائع العلاقات الثنائية، فروسيا، ولافروف بالذات، يفهم تماماً معنى المواقف السورية وأسبابها وأهدافها. وبالتالي، فإن التصويت ضد أو الامتناع عن التصويت على قرار يوضح ضرورة تعاون الحكومة السورية مع الحكومة اللبنانية لتنفيذ قرارات الحوار الوطني هو بمثابة مباركة روسية للتصلب السوري في رفض الاعتراف باستقلال لبنان واحترام سيادته وسلامة أراضيه.

الصين ستسير في الخطى الروسية في ما يتعلق بمشروع القرار المعني بالحدود وتبادل السفراء. بعض الدول المنتخبة سيمتنع عن التصويت خصوصاً اذا امتنعت قطر، العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن عن التصويت. وقطر قد تمتنع لمجرد أنها قطر. بالإضافة الى ان القرارات الصادرة عن القمة العربية الأخيرة في الخرطوم لم تكن حاسمة في تحصين استقلال لبنان.

الديبلوماسية الثلاثية الأميركية - الفرنسية - البريطانية، وجدت في مسألة لبنان ما وجدته في مسألة ايران، وهو ان لا مجال للاجماع بين أعضاء مجلس الأمن في هذا المنعطف. لذلك، لم تستثمر الوقت في العمل على بيان رئاسي يتطلب الاجماع وانما توجهت فوراً الى مشروع قرار يُطرح على التصويت تجنباً لإضاعة الوقت في الأخذ والعطاء.

كذلك الأمر في موضوع ايران، لم يمض الثلاثي الاميركي - الفرنسي - البريطاني وقتاً طويلاً في محاولة اقناع الثنائي الصيني - الروسي بالموافقة على مشروع قرار بموجب الفصل السابع يجبر ايران على الامتثال. فالثلاثي تحرك فوراً بعد اجتماع مختصر مع الثنائي وطرح عناصر القرار في مجلس الأمن وأمام أعضائه الخمسة عشر ليثبت مؤشرات مهمة. بين هذه المؤشرات قطع الطريق على التسويف والمماطلة، والعزم على وضع ايران تحت الفصل السابع من الميثاق.

لكن في نهاية المطاف، ما يمثله مشروع القرار البريطاني - الفرنسي الذي تدعمه الولايات المتحدة هو اعطاء ايران فرصة أخرى ومهلة زمنية اخرى لتلبية مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية. انه ينبهها الى ان عنادها سيؤدي الى اجراءات لم يحددها، وان تجاوبها سيحذف سيناريوات الاخضاع قسراً من الخيارات الاميركية والأوروبية.

ما يعارضه الثنائي الصيني - الروسي هو اخضاع ايران للفصل السابع الملزم الذي يعطي الحق باستخدام أنواعشتى من الضغوط لفرض تنفيذ المطالب على الدول، بما فيها العقوبات الاقتصادية والاجراءات القسرية، بما فيها العسكرية. صحيح ان المشروع قيد البحث لا يذكر أي عقوبات ولا يلزم مجلس الأمن باتخاذ اجراءات، لكنه في الوقت ذاته ليس مجرد قرار اجباري، كما تقول الديبلوماسية الثلاثية، إذ انه خال من لغة التوعد والتهديد.

لذلك، فإن المعركة بين الثنائي والثلاثي من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن عميقة ومهمة في الشأن الايراني. حتى الآن استثمرت الدول الخمس، ومعها المانيا كل الجهود بحثاً عن حل ديبلوماسي للأزمة النووية مع ايران لترغيبها بتنفيذ ما تريده الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدءاً بالتوقف عن تخصيب اليورانيوم. الآن، ان الترغيب يرافقه التهديد المبطن بعواقب للتحدي والعناد، انما بتدريجية، وليس بقفز مباشر الى الاجراءات.

فالإمهال واعطاء فرصة اخرى جزء من اسلوب «التدريجية» الذي يريده الثلاثي مع ايران. لكن طهران هي التي ستساهم في خطوات الثلاثي الآتية. فإذا تجاوبت تساعد الثنائي على التصدي لاجراءات عقابية، أما اذا استمرت في ضرب مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعرض الحائط فإنها تساعد الثلاثي في احراج الثنائي وزجه في الزاوية.

ايران ستكون حاضرة في اجتماعات الوزراء ليس فقط من خلال البحث في كيفية كبح طموحاتها النووية وانما ايضاً من ناحية طموحاتها الاقليمية. قد لا يبحث الوزراء صراحة في المخاوف من انتقامات ايرانية من الاجراءات ضدها، لكنهم لا بد سيتطرقون الى الأدوار الايرانية في العراق وفلسطين ولبنان.

الأوساط الفكرية تتحدث عن الخيارات المتاحة أمام التوقعات بحملة تخريب وارهاب من نوع آخر، إذا لجأت الولايات المتحدة الى الخيار العسكري مع ايران. فالعراق اليوم، ينزف ويخشى عليه من حرب أهلية تزيد من نزيفه، افرازاتها خطيرة على كامل المنطقة. انه ساحة تخريب وارهاب لمختلف اللاعبين، لكنه قد يتطور الى ساحة انتقام ايراني من القوات الاميركية الموجودة فيه، رداً على اي اجراءات اميركية عسكرية ضد ايران.

ما تتحدث عنه هذه الأوساط هو تأثير المواجهة مع ايران في حرب الارهاب وهي تتوقع حملة ارهابية جديدة نوعياً تؤدي الى ارهاب أكبر من ارهاب «القاعدة»، تشير الأوساط الفكرية هذه الى وسائل لتخريب البنية التحتية الاقتصادية، كما الى أدوات التأثير في القطاع النفطي لدى ايران وهي تعتقد ان أدوات «حزب الله» في لبنان و «حماس» في فلسطين وسورية في المنطقة أدوات عابرة وغير مهمة جذرياً في الاعتبارات الايرانية قابلة للاستغناء عنها.

موضوع «حماس» سيكون حاضراً الاسبوع المقبل عند اجتماع وزراء «اللجنة الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. الأزمة الاقتصادية التي تسبب بها انتخاب «حماس» للسلطة الفلسطينية تشكل عبئاً ضخماً على «حماس» بحد ذاتها وليس فقط على الشعب الفلسطيني. ولذلك، فإن «حماس» أمام خيارات ضرورية قبيل اجتماع «الرباعية» التي اشترطت عليها التزام المعاهدات والاتفاقات السابقة التي قطعتها السلطة الفلسطينية على نفسها، ونبذ العنف، والاعتراف باسرائيل.

«حماس» تبدو كأنها تزحف نحو احتضان المبادرة العربية الصادرة عن قمة بيروت التي تعترف ضمناً باسرائيل وتدعم حل الدولتين على اساس حدود الهزيمة والانتصار في حرب 1967. حسبما يبدو، بدأت «حماس» تدرك ان ايران ليست الخيار البديل، وان الشعب الفلسطيني قد لا يريد ان يتحالف مع ايران في نهاية المطاف بغض النظر عن العاطفة المضللة التي تعتبر امتلاك ايران السلاح النووي مفيداً في تحدي امتلاك اسرائيل لهذا السلاح. ذلك انه في حال اندلاع المواجهة العسكرية مع ايران، لن تبقى الدول العربية خارج المواجهة، بل سيدخل بعضها المهم طرفاً مباشراً فيها الى جانب الولايات المتحدة ضد ايران.

إذا وصلت المؤشرات والتعهدات من «حماس» الى «الرباعية» في نيويورك في الأيام المقبلة لتبين رغبتها في تطبيع العلاقة مع «الرباعية» الدولية، سيكون عليها القفز من احضان ايران واتخاذ الأطراف العربية الفاعلة السند الأساسي الطبيعي لها. فإذا فعلت ذلك تساعد «حماس» الشعب الفلسطيني أولاً، وتساهم في مساعدة نفسها. أما إذا اختارت عكس ذلك، فإنها تكون قررت اين مكانها مع المحور الذي تقوده ايران ويضم سورية و «حزب الله» والفصائل الفلسطينية العاملة في لبنان وسورية.

أطراف هذا المحور ستكون بارزة في محادثات وزراء الخارجية في نيويورك عند بحث ملف لبنان وسورية ومشروع القرار المعني بتطبيق القرار 1559. الأرجح ان يؤدي التداخل بين مشروع القرارين المتعلقين بإيران ولبنان الى نوع من الترابط بينهما من ناحية ذكر أو عدم ذكر ايران و «حزب الله» في المشروع اللبناني.

فلقد وضع تقرير الأمين العام الأخير دور ايران في لبنان على طاولة البحث الرسمي في الأمم المتحدة للمرة الأولى. وهو حمّل كلاً من سورية وايران مسؤولية افشال أو انجاح الاجماع اللبناني. وهذا عنصر من عناصر ابراز التدخل الايراني والسوري المستمر في الشأن اللبناني الداخلي ورفض طهران ودمشق الاعتراف باستقلال لبنان واحترام سيادته. ولذلك، فالارجح ان يصر مجلس الأمن على ضرورة احترام السيادة اللبنانية بدءاً من اصراره على ترسيم الحدود بين لبنان وسورية التي تلعب حلقة الوصل بين «حزب الله» وايران.

كل هذه الأمور ترضخ الآن لما ستسفر عنه المحادثات والأحاديث بين الوزراء الاسبوع المقبل. فهذه ليست مجرد لقاءات ديبلوماسية كالمعتاد. انها مفاوضات نادي الكبار حول من سيسمح له بأن يطمح بدخول النادي النووي، وكيف تتداخل أو تتضارب المصالح الوطنية مع التنافس على العظمة والواجبات في حفظ الأمن والسلم الدوليين، وحدود الصبر أمام الاستفزاز والتهديد الصريح بالارهاب المباشر وعبر المحاور الناشئة.