موسم العقوبات بدأ في غياب المشاركة الروسية ­ الصينية, لكن التوجه الأميركي مفتوح على هجومين عسكريين, الأول «محدود» بصواريخ «كروز» والثاني «رئيسي» بالصواريخ والأسلحة النووية معاً من أجل تدمير القدرات النووية الايرانية. وفي الحالتين يتوقع الخبراء الاستراتيجيون أن ترد ايران الضربة بهجمات صاروخية تستهدف القوات الاميركية في الخليج كما تستهدف اسرائيل. ماذا أيضاً في السيناريوهات المتداولة؟

ايران في نظر ادارة بوش هي اليوم العدو «رقم واحد» والداعم الأول للارهاب. وهذا التقييم يجد بعض حيثياته ضمن التقرير الذي رفعه رئيس وكالة الطاقة الذرية الدولية محمد البرادعي الى مجلس الامن وفيه يقول ان مفتشي الأمم المتحدة يرون ان طهران نجحت في تخصيب اليورانيوم, وهي ماضية قدما في مشروعها النووي. والسؤال الاول الذي يعيد طرح نفسه: الى اي مرحلة وصل المشروع حالياً؟

الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد يؤكد ان بلاده اصبحت عضوا في «النادي النووي» وقد اعلن في كلمة متلفزة القاها في مطلع الشهر الماضي ان ايران اصبحت تتحكم بكامل دورة الوقود النووي وهي قادرة على تصنيع اليورانيوم المخصب لمحطات الطاقة. والحكومات الاجنبية التي تعارض البرنامج النووي الايراني تزعم ان النشاطات النووية المدنية الايرانية غطاء لبرنامج يهدف الى تصنيع قنبلة نووية, وقد اعطت طهران مهلة 30 يوما لاقناع وكالة الطاقة الدولية بأنها جمدت عمليات التخصيب, المهلة انتهت في الاسبوع الماضي وجاء تقرير الأمم المتحدة سلبياً بهذا الشأن.

وايران نفسها اعلنت انها لا تعير التقرير والمضاعفات المتوقعة عنه اهمية, فيما قال التقرير السنوي الذي تعده وزارة الخارجية الاميركية والذي صدر قبل ايام ان الحرس الثوري ووزارة المخابرات والأمن متورطان مباشرة في التخطيط للاعمال الارهابية في العراق وفي امكنة اخرى, وهما يدعمان المنظمات الارهابية في لبنان والضفة الغربية وغزة.

وفي التقرير ان ايران بنت شبكة من 164 جهاز طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم كما انها تقوم بتجميع 328 جهازاً آخر تحت الارض في نتانز للغاية نفسها. هذا التقرير شكل منعطفا حاسما في تصعيد الازمة, والظن الأرجح ان الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ستشدد الضغوط الدبلوماسية وتسعى للحصول على قرار تحت البند السابع يسمح بفرض العقوبات والقيام بعمليات عسكرية ضد ايران, لكن روسيا والصين قد تجمدان صدور هذا القرار. هنا يطرح السؤال الثاني: كيف ستتعاطى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع المسألة؟

الولايات المتحدة لا تستبعد اللجوء الى القوة العسكرية لكنها اعلنت انها تفضل الوسائل الدبلوماسية لحل الإشكال, وقد عهد بالمساعي الدبلوماسية الى كل من بريطانيا وفرنسا والمانيا. وفي المحادثات التي بدأت في تشرين الأول €اكتوبر€ 2003 وافقت ايران على تجميد عمليات التخصيب لكن الاتفاق كان منذ بدايته مهتزاً وانهار كلياً مع انتخاب نجاد رئيساً في العام الفائت. وكانت ايران قد اعلنت في ايلول €سبتمبر€ 2005 انها تقوم بتحويل اليورانيوم الى غاز في مفاعلها في اصفهان, وفي كانون الثاني €يناير€ 2006 اعلنت انها نزعت الاختام التي وضعتها وكالة الطاقة الذرية الدولية في منشآت التخصيب في نتانز واستأنفت العمل فيها, واعتبر الاتحاد الأوروبي الأمر بمثابة وصول المحادثات الى طريق مسدود.

لكن ما أهمية التخصيب؟ المشكلة كما تراها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبدرجة اخف روسيا والصين, انه اذا تمكنت ايران من تخصيب اليورانيوم الى درجة الوقود, فسيكون بمقدورها كذلك تخصيبه الى درجة السلاح وهناك فارق في قوة الدرجتين, وقد اعلن نجاد انه وصل الى مستوى 5.3€ من التخصيب, فيما تحتاج القنبلة او الرأس النووي الى 90€ لكن ايران ستتمكن من الوصول الى هذه النسبة اذا نجحت في ان تمتلك عددا اكبر من اجهزة الطرد المركزي الـ164 التي تقوم بتشغيلها حاليا.

ولأنها في عداد الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية فإنه يحق لها تخصيب اليورانيوم لاغراض مدنية لكن هناك تشكيكا بصدقيتها منذ ان اخفت عن مفتشي وكالة الطاقة الذرية الدولية نشاطات التخصيب التي تقوم بها. وتبين في العام 2002 انها تملك مشروعا نوويا تتكتم حوله منذ 18 عاما. هذه الوقائع والتطورات تطرح سؤالا اضافياً: هل تقوم ايران بتصنيع قنبلة نووية فعلاً؟

يتفق الخبراء على القول انه اذا لم تكن ايران تنشط حاليا في صنع القنبلة فانها ستكون قادرة على صنعها في المستقبل. وقد ذكرت وكالة الطاقة الذرية الدولية في تقريرها الاول انها لم تستطع التأكد من ان نيات ايران النووية سلمية كلياً, اذ رفضت جميع مقترحات التسوية, وفي عدادها خطة روسية لتخصيب اليورانيوم لصالحها, واصر المفاوضون الايرانيون دائماً على الاحتفاظ بقدراتهم الذاتية على التخصيب.

لكن المعلومات الاستخباراتية عما يجري في نتانز, او في امكنة اخرى ما زالت غير حاسمة, ولكن ما تملكه الولايات المتحدة بهذا الشأن من معطيات مصدره كمبيوتر لأحد المهندسين مشكوك في محتوياته.

في الواقع ما يثير القلق هو عرض العضلات الذي تقوم به ايران, ففي الاسابيع الماضية قامت بتجربة صواريخ جديدة واجرت مناورات بحرية, بعدما تعاونت لسنوات مع العالم الباكستاني النووي عبد القادر خان. وتختلف التقديرات حول الفترة الزمنية التي يتطلبها تصنيع القنبلة النووية من عامين الى عشرة اعوام. ومن ابرز هذه التقديرات تقدير «المؤسسة الدولية للدراسات الاستراتيجية» التي تتخذ من لندن مقرا لها والذي حدد المدة بثلاث سنوات.

الفصل السري

نصل الى السؤال الذي يدور اكثر من سواه في الاذهان: هل تقوم الولايات المتحدة بضرب ايران؟

العديد من التقارير الاعلامية اشارت الى خطط لدى «البنتاغون» للقيام بعملية عسكرية ضد ايران, الا ان الرئيس بوش وصف هذه التقارير بانها «توقعات بعيدة عن الواقع» كما صرح وزير الخارجية البريطاني جان سترو في مناسبات عدة بانها «غير معقولة» واخيرا اوضح الرئيس بوش خلال فترة اسئلة واجوبة في جامعة جون هوبكنز ان النظرية الوقائية «لا تعني بالضرورة استعمال القوة, وفي هذه الحالة قد تعني الدبلوماسية».

لكن اكثر التقارير الاعلامية التي سلطت ضوءا على المسألة مقالة لهيرش في مجلة «نيويوركر» يقول فيها انه بينما تدعو ادارة بوش علناً الى اعتماد الدبلوماسية لمنع ايران من صنع قنبلة نووية, فانها زادت في الآونة الأخيرة نشاطاتها السرية داخل ايران وكثفت تخطيطاتها من اجل هجوم جوي كبير على المنشآت الايرانية. وينسب هيرش الى مسؤولين امنيين عسكريين اميركيين سابقين وحاليين قولهم ان فرق التخطيط في سلاح الجو الاميركي تعد لائحة بالاهداف المنوي ضربها, كما ان اوامر صدرت الى وحدات قتالية بدخول ايران بصورة خفية لجمع معلومات عن هذه الاهداف واقامة علاقات مع المجموعات الاتنية المعارضة للحكم.

ويعتقد القادة العسكريون والامنيون ان الهدف الرئيسي لبوش في المجابهة النووية مع ايران هو اسقاط النظام. وكان الخبير في الشؤون الايرانية باتريك كلوزون الذي يعمل حاليا كنائب مدير الابحاث في «مؤسسة واشنطن للشرق الادنى» وهو معروف بتأييده لبوش قد طرح هذه الفكرة في ايار €مايو€ الفائت وقد ابلغ في الثاني من آذار €مارس€ 2006 لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ انه طالما ان ايران هي دولة اسلامية فسوف يكون لديها برنامج نووي ولو بصورة سرية, وبالتالي يصبح السؤال الاساسي: كم من الوقت ينبغي ان يستمر النظام الحالي؟

كلوزون نقل الى هيرش ان الادارة الاميركية الراهنة تركز مساعيها على المجال الدبلوماسي فيما ينبغي الاعتماد على التخريب وغيره من النشاطات السرية كـ«الحوادث الصناعية» مع التحضير, نظرا لسلوكية الايرانيين, لحرب واسعة.

وخطورة هذا التوجه هو انه يعزز الاعتقاد داخل ايران بأن الطريقة الوحيدة للدفاع عن البلاد هي امتلاك قدرات نووية, وفي الواقع ان أغلبية الشعب الايراني تؤيد موقف الحكومة, وتعتبر ان ما تقوم به حق مشروع بموجب معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية. وتقول ازادة كيان­ تيبو المتخصصة في الشؤون الايرانية في «المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية» الفرنسي, €وهي من اصل ايراني€ ان كثيرين من الذين لم ينتخبوا نجاد يؤيدونه اليوم لانه اظهر صلابة في المسألة النووية اكثر من سواه, والشعور نفسه ينتاب المهاجرين الايرانيين الذين يرون ان من حق بلادهم الحصول على قدرات نووية علي غرار اسرائيل وباكستان والهند. وتضيف كيان­ تيبو: عندما تناقش الايرانيين تجد ان لديهم احساسا بالعزة الوطنية وحنينا الى القوة العظمى لبلادهم».

وقد لوحظ ان الرئيس بوش كثف مشاوراته بعيدا عن الانظار في الاسابيع الاخيرة مع عدد من رجالات الكونغرس البارزين تم اختيارهم بصورة انتقائية. ويقول مصدر متتبع لهذه المشاورات ان ايا منهم لم يعترض على الخيار الحربي فهم انفسهم الذين اتهموا بالأمس العراق ووافقوا على غزوه. وبين الاسئلة التي يجري تداولها خلال المشاورات كيف يمكن ضرب كل الاهداف المختارة دفعة واحدة؟ كيف يمكن التوصل الى ضرب ايران في العمق باعتبار ان معظم الاهداف تقع تحت الارض؟

مصادر اخرى تؤكد انه بوشر فعلا التحضير لعمليات تهدف الى الضغط على ايران وفي عدادها تحليق طائرات تكتيكية تابعة لسلاح البحرية الاميركية من حاملات طائرات موجودة بحر العرب في مهمات تحاكي عمليات استخدام السلاح النووي على مقربة من اجهزة الرادارات الايرانية الساحلية. وكان المحلل العسكري الكولونيل والمدرس السابق في الكلية الحربية الاميركية سام غاردنر قد قدر في محاضرة القاها في مؤتمر حول «الامن في الشرق الاوسط» عقد في اذار €مارس€ الماضي في برلين, عدد الاهداف التي ينبغي ضربها بـ400 هدف, مضيفاً «لا اعتقد ان المخططين العسكريين الاميركيين سيكتفون بذلك, فايران تملك مصنعين لانتاج المواد الكيميائية, وسوف يتم ضربهما ايضا الى جانب الصواريخ الهجومية المتوسطة المدى التي تم نقلها اخيرا الى قرب الحدود العراقية, والوسائط التي يمكن ان تشكل خطرا على حرية الملاحة في الخليج كمواقع صواريخ «كروز» والغواصات التي تعمل بالديزل اهداف محتملة, وبعض الاهداف قد تكون اهدافا صعبة حتى بالنسبة الى الاسلحة المتطورة, مما يدعو الى الاستعانة بوحدات خاصة.

وقد قدم «البنتاغون» الى البيت الابيض مجموعة خيارات في عدادها استخدام الاسلحة النووية التكتيكية كـ«بي 61­ 11» ضد المواقع النووية الواقعة تحت الارض وفي مقدمها المفاعل النووي الرئيسي في نتانز الذي لم يعد خاضعا لتفتيش وكالة الطاقة الذرية الدولية, وهو يتسع لآلاف اجهزة الطرد المركزي ومختبرات, ويقع على عمق 75 قدما تقريبا تحت سطح الارض. هذه المفاعلات قادرة في رأي الخبراء على انتاج مؤونة تكفي لصنع حوالى 20 رأساً نوويا في السنة, وقد اعترفت ايران بانها اخفت وجود برنامج للتخصيب النووي عن المفتشين الدوليين, الا انها اكدت في الوقت نفسه ان اي عمل تقوم به على هذا الصعيد لا يتعارض مع احكام معاهدة حظر الانتشار. وتدمير ناتنز سيكون بمثابة نكسة كبرى لطموحات ايران النووية لكن الاسلحة التقليدية المتوافرة في الترسانة الاميركية قد لا تكون قادرة على الوصول الى المنشآت القائمة تحت عمق 75 قدماً تحت الارض محاطة بالصخور ومعززة بالاسمنت.

ويعتقد بعض المحللين الامنيين الاميركيين ان روسيا قد ساعدت ايران على بناء المنشآت الحصينة, اذ تبدو تصاميمها مشابهة جداً للمجمعات التي انشأتها السلطات السوفياتية في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي لضمان استمرار النظام في حال تعرض الاتحاد لهجوم نووي, وهي مجعات مشابهة للمجمعات المخصصة للقيادة الاميركية في فيرجيينيا وبنسلفانيا, وهي حصون لا يمكن الا للرؤوس النووية وحدها اختراقها. هل تلجأ الولايات المتحدة إلى هذا الخيار؟