إيران تدرك المأزق الذي تجد إدارة بوش نفسها فيه. فهي غير قادرة على فتح جبهة جديدة

بالإضافة الى العراق حيث تتعثر وتتلوّى، وغير مستعدة للمغامرة بحرب جديدة من شأنها ضرب صناعة النفط وإمداداته

لن يطول الوقت قبل أن تعلن الولايات المتحدة خبر نجاح إيران في صنع أسلحة نووية. إن لم يعلنه جورج دبليو بوش، فسوف يعلنه محمود أحمدي نجاد! بصرف النظر عمّا إذا كان الخبر صحيحا أم لا، فإن كِلا الطرفين له مصلحة في تصويره بأنه الحقيقة الراهنة. لماذا؟ لأن أمريكا تعتبر الصين، وليس إيران، مصدر الخطر الرئيسي عليها في الوقت الحاضر والمستقبل المنظور، وإيران تدرك هذه الحقيقة كما تدرك أن تهويل بوش بقدرتها النووية هو مجرد ذريعة، ولا بأس من الاستفادة منها.

أمريكا خائفة على أمن النفط، أمن كميات النفط الهائلة التي تحتاجها حاضراً ومستقبلاً، وخائفة من شَرَه الصين المتعاظم للنفط حاضراً ومستقبلاً، وخائفة من أن تتواطأ الصين وإيران عليها، أو أن تتصرف إيران على نحوٍ مقلق فيصبح أمن النفط، أمن نفطها تحديداً، في مهب أخطار عاتية.

الصين هي حقيقة الخطر. إيران هي الذريعة.

من يقرأ بإمعان دراسة كبير الخبراء العالميين في صناعة النفط ومعانيها الجغراسية (الجيوبوليتيكية) دانيال يرجين في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، عدد مارس (ابريل)، يقع بسهولة على الحقيقة.

لنلقِ، بادئ الأمر، نظرة سريعة على أرقام استهلاك النفط. يقول يرجين، وهو رئيس مؤسسة “كامبريدج إينرجي ريسيرتش اسوشيتس” الذائعة الصيت، ومؤلف كتاب “الجائزة: البحث الأسطوري عن النفط والمال والسطوة”، إن السنوات العشر الماضية تميزت بازدياد كبير في الطلب على النفط لسبب رئيسي هو النمو الاقتصادي الدراماتيكي في الدول النامية، خصوصاً في الصين والهند.

حتى العام 1993 كانت الصين مكتفية ذاتياً في النفط. منذ ذلك التاريخ تعاظم ناتجها المحلي القائم ثلاثة أضعاف وازداد طلبها على النفط بمقدار الضعفين. اليوم تستورد الصين 3 ملايين برميل من النفط يوميا، ما يشكّل سنوياً نصف استهلاكها الإجمالي منه. علماً أن حصة الصين من السوق النفطية العالمية هي نحو 8 في المائة، في حين أن حصتها في النمو الإجمالي على الطلب منذ العام 2000 هو 30 في المائة. وبينما ينمو الطلب العالمي على النفط 7 ملايين برميل يومياً منذ العام ،2000 فإن مليوني برميل من هذا النمو اليومي ذهب الى الصين.

إن استهلاك الهند من النفط هو حاليا أقل من استهلاك الصين بنحو 40 في المائة. لكن بسبب سلوك الهند الذي أطلق عليه العالم الاقتصادي فيجاي كلكر مصطلح “طريق النمو الرئيسية”، فإن طلبها على النفط سوف يتسارع.

إن مقارنةً سريعة بين الأمس واليوم تكشف وتُفصح. ففي سبعينات القرن الماضي، استهلكت أمريكا الشمالية من النفط ضعفي ما استهلكته قارة آسيا كلها. لكن السنة الماضية، ولأول مرة بالمطلق، تجاوز استهلاك آسيا النفطي نظيره في أمريكا الشمالية. لقد ارتفع طلب الصين على النفط في العام 2004 بنسبة استثنائية بلغت 16 في المائة بالمقارنة مع العام 2003 وذلك بسبب أعطال واسعة في أجهزة توليد الكهرباء ما أدى إلى قفزة هائلة في استعمال النفط لتوليد الطاقة. كما ان استهلاك الولايات المتحدة وغيرها من الدول ازداد أيضا في تلك الفترة. كل ذلك حدث في وقت بالكاد جرى تشغيل آبار جديدة لاستخراج النفط من اجل سد الحاجات المتزايدة اليه. حتى لو توفّرت كميات إضافية من النفط، فإنها لم تكن كافية وجيدة لتلبي حاجات مصافي النفط المتوافرة في العالم.

عوامل أخرى أسهمت بدورها في ازدياد الطلب على النفط، أبرزها محدودية القدرة على تكريره بسبب عدم نمو معدل مصافي التكرير على نحوٍ متكافئ مع نمو الطلب على النفط. رافق هذا القصور في تأمين العرض مع نمو الطلب على النفط، بروزُ ظاهرةٍ مقلقة (للولايات المتحدة على الأقل) هي نزوع كل من روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، وفنزويلا، بقيادة هوجو شافيز، إلى تشديد قبضة الدولة على صناعة النفط لاستخدامها أداةً في الصراع السياسي. كذلك فقد تراجع إنتاج النفط بسبب الحرب على العراق واحتلاله من قبل الولايات المتحدة، وبسبب اضطرابات عصفت بدلتا نهر النيجر ما تسبب بتدهور إنتاج النفط في نيجيريا، كما بسبب الأعاصير (كاترينا وريتا الخ...) التي ضربت آبار النفط الأمريكية في خليج المكسيك.

باختصار، الطلب على النفط عالميا في نمو متصاعد بالمقارنة مع العرض. الاستهلاك أكبر بكثير من الإنتاج الآخذ بالتراجع. الصين الآخذ اقتصادها بالنمو بمعدلات كبيرة تبدو شرهة ومضطرة إلى منافسة الولايات المتحدة عليه، لاسيما على نفط منطقة الخليج. في العام ،2020 ستستورد أمريكا 70 في المائة من نفطها، وكذلك الصين، ما يعني ازدياد اعتمادها على مصادر النفط الخارجية وتعرّض مستورداتها الى مخاطر النقل البحري في النقاط الساخنة.

أمن النفط، إذاً، في خطر. هو في خطر أينما كان، لكن الخطر الأكبر يترصّده في منطقة الوسط الإسلامية الممتدة من ماليزيا وإندونيسيا في الشرق الى الجزائر والمغرب في الغرب، ومن جمهوريات آسيا الوسطى في الشمال إلى السودان والصومال في الجنوب. الخطر يترصّد أمن النفط في العالم الإسلامي، في بلاد المسلمين، حيث بات نحو 1300 مليون مسلم بناصبون أمريكا العداء بل يشتبكون معها، بشكل أو بآخر، بأعمال عنف متصاعدة تتأثر بها دول منتجة للنفط كالعراق، إيران، السعودية، إندونيسيا، السودان، الجزائر... والحبل على الجرار.

أمن النفط في خطر حتى قبل أن يتأكد سعي إيران الحثيث إلى امتلاك قدرات نووية، فكيف بعده؟ إن الإمساك بنواصي القدرة، التقليدية أو النووية، سينعكس سلبا ليس على أمن أمريكا النفطي فحسب بل على أمن “إسرائيل” الكياني أيضا. وهل يعقل أن تفوّت “إسرائيل” هذه الفرصة لتضغط على أمريكا من أجل حملها على تدمير دولة إسلامية أخرى، بعد العراق، يهدد قائد حرسها الثوري محمد إبراهيم دهقاني بأنه “إذا ارتكبت الولايات المتحدة أي عملٍ شرير فستكون “إسرائيل” أول هدف نضربه”؟

يزداد الأمر خطورة مع عِلم واشنطن، كما تل أبيب، أن قادة إيران طرازٌ من المسؤولين يمتلك إرادة الفعل والتنفيذ، شأن يا للمفارقة صدام حسين، ولهم سوابق في هذا المجال. كل ذلك يحمل الولايات المتحدة، لاسيما جورج بوش، على محاولة إجهاض قدرات إيران قبل اكتمالها. صحيح أن إيران لم تمتلك بعد أسلحة نووية مدمّرة، لكن قدراتها التقليدية الحالية، بوجود إدارة قتالية وتصميم إيديولوجي على استخدامها، يغلّب رأي الفريق المتصلب الداعي الى استخدام المزيد من العنف ضد قوى “الإسلام الراديكالي”، كما يسميّها بوش. كل ذلك لأن بوش وفريقه يعتقد أن إيران، بالتواطؤ مع الصين أو من دون التواطؤ معها، لا تتورع عن تهديد أمن النفط لدوافع سياسية أو اقتصادية وحتى إيديولوجية.

غير أن إيران تدرك المأزق الذي تجد إدارة بوش نفسها فيه. فهي غير قادرة على فتح جبهة جديدة بالإضافة الى العراق حيث تتعثر وتتلوّى، وغير مستعدة للمغامرة بحرب جديدة من شأنها ضرب صناعة النفط وإمداداته من منطقة الخليج فترتفع أسعاره إلى مستويات خيالية، وغير مهيأة لتحمل تكلفة حرب باهظة، وغير راغبة عشية الانتخابات النصفية في التسبب بحالة إرباك سياسية للحزب الجمهوري الحاكم قد تؤدي الى خسارة أكثريته في الكونجرس. إيران تدرك كل هذه الصعوبات والتحديات التي تشكّل لأمريكا مأزقاً ضاغطاً هذه الأيام، فتراها تُمعن برضى الصين وحتى روسيا في الضغط عليها لاستدرار المزيد من المكاسب.

بكلمة، الخطر على أمن أمريكا النفطي هو الحقيقة، وإيران هي الذريعة، والصين هي الرقيبة، والباقي تفاصيل.