حتى لا تصبح محاضرة يورجين كولبيل في مكتبة الأسد يوم غد مجرد مناسبة إعلامية، فإننا نقف عند الصورة التي قدمها هذا الكاتب عبر فتح الاحتمالات. فربما بمجرد الإحساس أن الآلية الإعلامية قامت بالاتهام وربما المحاكمة، فإننا نحاول الافتراق عن البريق الخاص الذي يتشابك مع الاستراتيجيات السياسية، وربما طريقة تفكيرنا أيضا ليخلق القلق الخاص، وحتى عجزنا عن المجابهة. فالمسألة ليست:"من قتل الحريري؟"... حتى ولو كان كتاب كوليبل هو محاولة للإجابة عن هذا السؤال، لكنه كتاب صادر في ألمانيا أولا وبجهد شخصي لا يهدف إلى التعاطف بل لإبراز وجهة نظر أخرى.

وإذا كان التحليل السياسي يقودنا في كثير من الأحيان نحو مسار في رؤية المسائل على سياق "المؤامرة"، فإن القضية ربما تكون أعقد من "التحليل" ... أو الغوص في الدوافع لأن المهم أن لا يبقى الرأي الواحد (مهما كانت صوابيته!!) مسيطرا ليصبح نهجا داخل بناء "النظام العالمي الجديد". والمهم أيضا فتح مجالات الخيار وعدم وضع المجتمع والأفراد في ثنائية تبدو اليوم وكأنها هاربة من عصر القبيلة. فكتاب كولبيل يحوي من التحليل السياسي ووجهة النظر ما يجعلنا نؤكد على أهمية وجود "وجهة نظر" أخرى بعيدة عن السياق الإعلامي الذي استهلكنا عبر عام.

من الممكن أن نناقش احتمالات كوليبل ... وربما يتهمه البعض بتبني "نظرية المؤامرة"، لكن المسألة تتعدى البحث في دوافعه لأننا نسعى لتطوير ظاهرة تكسر الاحتكار في مسألة "الرأي"، وتتجاوز الجموح السياسي الذي فرض مصطلحاته حولنا ليشكل أداة قاسية باسم "الديمقراطية" و "الشرق الأوسط الكبير".

ومن الجائز تبني "الديمقراطية" مهما كان لونها أو شكلها، ولكنها عدما تصبح "فعلا انقلابيا"، أو ارتدادا تراثيا يلغي الآخر ويحتكر الرأي والتوجه فإننا نقف أما "موجة الحداثة" بكاملها لنؤكد أن إيماننا بالحداثة لا يمكن أن يقودنا باتجاه الارتكاس والارتداد أو البحث في المجهول لننتج "مسخا" ديمقراطيا وتمثيلا طائفيا أو دينيا أو أثنيا.

الدعوة إلى محاضر كولبيل تخرج عن المناسبة لأننا نريدها دعوة "فتح الاحتمالات" في جملة القضايا والمسائل، ودعوة لتبني الصورة التي نعرفها عن الحداثة بتنوعها وعدم وضعها داخل خط واحد يجعلنا نفكر وكأننا أبناء أزمة لا تنته.