يعود التدخل الاميركي المنظم في لبنان الى مرحلة الخمسينيات، فآنذاك ارادت الادارة الاميركية ان تدخله في حلقة الاحلاف التي حاولت انشاءها في المنطقة بالاشتراك مع تركيا والباكستان والعراق وبالتنسيق مع اسرائيل من اجل مواجهة المد العربي الناصري. وكان الهدف المركزي عندها على الدوام ان تستغل المتناقضات الداخلية وتستفيد منها لتوظيف لبنان بوجه انتمائه العربي واستخدامه منصة للانطلاق منه ضد سوريا وضد مصر او غيرهما من القوى العربية غير المنسجمة مع الولايات المتحدة وكان لبنان يدفع الثمن دائما في استقراره وسلمه الاهلي ويعيش اضطرابات سياسية ودموية..

واليوم تكرر الولايات المتحدة المشهد نفسه مع اختلاف الظروف والاساليب والادوات فهي ترفع «راية» دعم لبنان تحت شعار الدفاع عن حريته وسيادته واستقلاله وتدغدغ مشاعر اللبنانيين وتستغل التوتر الراهن بين لبنان وسوريا فيما عينها الحقيقية مصوبة على سوريا وايران وفلسطين المحتلة وبالتالي تريد استعادة تجربة الخمسينيات لتجعل لبنان في مواجهة سوريا ولتكمل محاولاتها ضد المقاومة «حزب الله» خدمة لاسرائيل ولتوظف كل ذلك في ازمتها مع ايران التي تصاعد دورها الاقليمي. لقد تحولت اصغر التفاصيل اللبنانية الى هم استراتيجي ويومي لدى البيت الابيض وباتت الادارة الاميركية لبنانية اكثر من اللبنانيين انفسهم تتحرك في مجلس الامن ومع فرنسا ومع بريطانيا ومع القيادات السياسية والطائفية المحلية وتقدم تقييمات للحوار في لبنان لكنها ما ان ترى خطوة او خطوتين من العقلانية السياسية حتى تقدم على ما يؤخر ذلك وما يعوق اية محاولة لتهدئة الاجواء بين لبنان وسوريا وحتى بين اللبنانيين انفسهم.

ولا يخفى على احد من العارفين بتاريخ الوضع اللبناني الداخلي ان هشاشة هذا الوضع الناتجة عن التركيب الطائفي تجعل لبنان ولا سيما في هذه المرحلة عرضة لمخاطر عديدة وهائلة بل قد تدفعه الى مصير مجهول ومرتبط بما يؤول اليه الوضع في منطقة الشرق الاوسط، وهذا يعني ان الدور الداخلي الوطني اصبح شبه معطل وهنا مكمن الكارثة فالحوار الذي يجري منذ الثاني من مارس الماضي لم يحسم شيئا نهائيا حتى هذه اللحظة والتحرك الاميركي الفرنسي ـ البريطاني الاخير في مجلس الامن الدولي قد يدفع الامور الى مزيد من التأزم خصوصا اذا صدرت قرارات تزيد من نكء الجراح مجددا بين لبنان وسوريا. ان الولايات المتحدة المأزومة في العراق والمرتبكة بالملف الايراني الاقليمي قبل النووي صممت كما يبدو على ان تمارس الرد من الساحة اللبنانية ولكن المصيبة الكبرى ان تجربة الخمسينيات قد تعود بأسلوب اشد شراسة ما لم تغير القوى السياسية اللبنانية نظرتها الى الحوار ليكون تفاعلا لا تنافسا من اجل استنقاذ لبنان قبل فوات الاوان.