اذا كان ثمة من دلالة لهذه الفوضى وهذا التخبط والاضطراب في الوضع العالمي وسياسات الدول الكبرى والأقوى، فهي سطوع الدليل بأن الديمقراطية الليبرالية قد فشلت فشلاً ذريعاً في تجسيد المعنى الحقيقي للديمقراطية بمفهومها الحياتي الراقي الصحيح الهادف الى الارتقاء بالحياة الانسانية لدى المجتمعات الآخذة بها!

وإلاّ... ما معنى... وما مدلول ان يصبح اختيار الزعماء والقادة والرؤساء، صناعة ومهنة لدى دوائر ومؤسسات ومراكز، توضع وتُسخّر بخدمة ذوي المصالح الفردية او الطبقية او... كل قادر على الدفع والشراء؟!!

اما ركائز هذه الصناعة او... المهنة، فتقوم على ركيزتين: المال و... الاعلام!! اذ... بدون توفر هاتين الركيزتين، بالدرجة الاولى، لا حظ... بل.. لا حق لمواطن بمجرد التفكير بأن يكون رئيساً في بلد ديمقراطي مثل.. اميركا وغيرها من البلدان الليبرالية!! لهذا... لم يكن من قبيل الصدفة ان تسعى الصهيونية العالمية، بشتى الوسائل والاساليب، الى حيازة اسباب القوة، من خلال حيازتها المال و... الاعلام!

بالطبع... هناك في اميركا، مثلاً، فئات وجماعات اخرى تملك المال، مثل كارتل النفط والشركات عابرة الحدود، والمجمع الصناعي العسكري، الا ان الحقول الاعلامية ظلت في نحو 90% منها حكراً على اليهود، ملكية وممارسة وتوجيهاً!؟ وعندما يتحالف مالكو المال والاعلام، فإن من المتعذر بالنسبة لأي كان، اختراق شبكاتهم او... حتى منافستهم على اختياراتهم!!

ومثل هذه المافيات والشركات والعصابات المالية والاعلامية والعسكرية، لا يهمها ان تكون الرموز والاسماء المرشحة للقيادة، مؤهلة... وعلي السوية الفكرية والنفسية والاخلاقية التي يُفترض توفرها بالمرشح الرئاسي، او لاشغال منصب الرئيس او القائد في بلد عظيم واسع غني ذي امكانات وموارد غير محدودة، مثل اميركا، وانما ينحصر اهتمامها وينصب بحثها وسؤالها، على مقدار التجاوب المنتظر، من قبل من يتمّ اختياره، مع... طموحاتها ومخططاتها ومطالبها التي هي في الغالب، مطالب مادية ووعود بالنفوذ والمناصب!! حيازة المال والاعلام هي ما جاءت بجورج بوش الابن رئيساً، مثلما جاءت، قبله، بكلينتون. بل ان الامر تجاوز ذلك الى اعادة انتخابهما مرة ثانية!!

والطريف... ان كل ذلك جرى ويجري باسم الديمقراطية الليبرالية، وبأصوات مواطنين لا يعرفون من اوضاع الدنيا ودول العالم، إلاّ ما ينقله الى عيونهم وآذانهم الاعلام الموجه المضلل الذي يسيطر عليه ويحدد سياساته ومحاوره، مالك المحطة ومالك الصحيفة ومالك دار النشر والتوزيع!!

وما، أزعم هنا، ليس اجتهاداً، ولا تحزيراً، وانما هي حقائق ووثائق باتت معروفة ومنشورة. فقبل اشهر اصدرت مجموعة من الصحفيين الاميركيين كتاباً مشتركاً فضحوا فيه مقدار العسف والتسلط الذي يتعرضون اليه من مالكي المحطات الاذاعية والتلفزيونية والصحف، عندما يخطر في بال احد المحررين او المراسلين ان يتحلى بشيء من الموضوعية والنزاهة. وبالطبع... والقطع، هذا لا يعني ابداً ان بلداً مثل اميركا، وشعباً مثل الشعب الاميركي العظيم الطيب الكريم، ظل خالياً من الصحفيين الشرفاء المنصفين، أو الاقلام النظيفة غير المأجورة وغير الملوثة!؟

الرئيس بوش والمافيات والعصابات الملتفة على رقبته، هم حصيلة هذه المعادلة المستندة الى معطيات وآليات الديمقراطية الليبرالية التي جعلت من دولة عظمى مثل اميركا، البلد الاعتى شروراً، والاشد انحداراً في سمعته والاكثر استنكاراً واشمئزازاً من سياساته واضاليله واعماله المتمردة على كل ضوابط الحق والقانون والاخلاق!!

واللافت - ان كلاً من الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني بلير، يقومان، هذه الايام، بتغيير بعض رموز ادارتيهما من موظفين او وزراء، ظناً منهما انه يمكن للعطار ان يصلح ما افسد الدهر، وان مثل هذه »الالعاب« الصغيرة يمكن ان تبدّل المعالم في الصورة الكبيرة!! وانصافاً للحق والتاريخ... فإن رمي اخطائنا وخطايانا ورد اسبابها الى بوش او بلير وقبلهما الى سايكس وبيكو وبلفور وترومان وتشرتشل وجونسون وميتران وشيراك وايدن وموليه وبلوم، هو... شكل من اشكال التهرب من المسؤولية القومية والوطنية، بحيث اصبح الدفاع عن حقوق الوطن والشعب، »تطرّفاً« وتهوراً، والانصياع لارادة الاستعماريين والغزاة والقراصنة »حكمة« و... واقعية!! وقبل ان انسى. ربما كانت تنحية (نص نصيص) البريطاني اليهودي (المتنصر!!) جاك سترو عن وزارة الخارجية هو اعظم ما قام به بلير في حياته المكتظة بالآثام!!