إن الموقف الروسي والصيني بدعم إيران في سعيها لامتلاك التكنولوجية النووية للأغراض السلمية يشكل تحدياً من النوع الثقيل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، لكون إيران تقع في قلب منطقة الخليج العربي وعلى حدود أفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى وهي مناطق حيوية من الناحية الاستراتيجية حيث يتجمع فيها معظم احتياجات النفط والغاز في العالم. ولكن الأسئلة الرئيسية التي تطرح في هذا المجال هي: ـ ما هي خلفيات موقف روسيا والصين؟. ـ ما الذي دفعهما إلى الوقوف في وجه الخطة الأميركية لمحاصرة إيران؟. ـ وأخيراً ما هي دلالات هذا الموقف؟.

أولاً: على صعيد الخلفيات:

هناك نوعان من المصلحة يحكمان الموقف الروسي والصيني في الوقوف إلى جانب إيران: اقتصادي وسياسي.

في ما خص الجانب الاقتصادي الذي يشكل المحور الرئيسي في الصراع الدولي على الموارد والطاقة تبرز بوضوح الأمور التالية:

1 ـ وجود مصلحة لدى الصين في تعزيز علاقتها الاقتصادية مع إيران خصوصاً في مجال النفط والغاز، حيث تسعى بكين إلى ضمان حاجاتها من الطاقة بعيداً عن تحكم الولايات المتحدة، خاصة أن الصين يزداد استهلاكها من النفط على نحو كبير نتيجة النمو الصناعي الكبير لديها، وفي هذا الإطار يقول مكايل شفارتز الأستاذ في جامعة نيويورك والمتخصص في العراق وإيران: "إن الصين كغيرها من زبائن العراق" لم تنجح في استغلال المشاريع النفطية التي وقعتها مع العراق "بسبب عقوبات الأمم المتحدة، وأن هذه العقود أصبحت لاغية وبالتالي أصبحت إيران الهدف الأساسي للشركات النفطية الصينية، وقد تم توقيع أول عقد بقيمة سبعين مليار دولار لاستيراد النفط، بين اتفاقيات اقتصادية وتجارية مثل بناء الصين جزءاً من مترو طهران".

أما روسيا فإن مصلحتها في الوقوف إلى جانب إيران تنطلق أيضاً من كونها تتولى عملية بناء 18 مفاعلاً نووياً إيرانياً ما يدر عليها عشرات المليارات من الدولارات إلى جانب تزويد إيران بالسلاح المتطور.

كذلك هناك مصلحة روسية إيرانية مشتركة لمواجهة التمدد الأميركي إلى قلب آسيا الوسطى ومحاولات واشنطن السيطرة على نفط بحر قزوين.

2 ـ إضافة إلى ذلك توجد مصلحة روسية صينية إيرانية مشتركة في إقامة تحالف في ما بينهم وتعزيزه من أجل وضع حد للتفرد الأميركي بالقرار الدولي وإعادة صياغة النظام الدولي على أساس التعددية القطبية.

وبرز هذا التوجه في الاتجاه الصيني الروسي في العمل لتحويل منظمة شنغهاي من اطار للتعاون الاقتصادي، إلى منظمة سياسية تعمل لتطهير آسيا الوسطى من الوجود العسكري الأميركي وبناء قطب آسيوي دولي، يضم إلى جمهوريات آسيوية كلاً من إيران والهند يتصدى لسياسة التفرد الأميركي بالقرار الدولي، وهو ما أظهره البيان الأخير لاجتماع دول المنظمة.

ثانياً: على صعيد الدلالات:

إن الدعم والتغطية الروسية الصينية لإيران يدلان بشكل واضح على أن العالم قد دخل في مرحلة النظام الدولي المتعدد القطبية، وعاد إلى مرحلة التنافس بدل السيطرة الاحادية.

ويبدو من الواضح أن موقف روسيا والصين ما كان ليتخذ هذا المنحى في الانتقال إلى اتخاذ مواقف معارضة للولايات المتحدة بدلاً من سياسة الدفاع السلبي التي انتهجتاها في السنوات الماضية، لولا أنهما أدركتا ان عدم التصدي لسياسة الهيمنة الأميركية بات يهدد بالخطر مصالحهما وأمنيهما القومي حيث أدى التغلغل العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي الأميركي في جمهوريات آسيا الوسط، إلى تهديد حقيقي لكل من الأمن القومي الروسي والصيني حيث تقع هذه الدول على حدودهما.

وانطلاقاً من قاعدة "طفح الكيل"، وبالتزامن مع المأزق الأميركي المتفاقم في العراق، تحركت بكين وموسكو باتجاه وضع حد لتمادي الولايات المتحدة في الضرب بعرض الحائط بأمن ومصالح كل منهما، ويجب ألا ننسى القاعدة التي تقول إن السياسة الدولية تحكمها المصالح الاقتصادية، وإن الصراع بين الدول الكبرى إنما يستهدف السيطرة على الموارد وفتح الأسواق أمام منتجاتها واستثماراتها، وعندما تحاول الدولة الكبرى، الولايات المتحدة، السيطرة على العالم على حساب الدول الكبرى الأخرى، فإن الأخيرة لن تقف متفرّجة مكتوفة الأيدي، بل ستعمل لمواجهة هذه السيطرة والدفاع عن مصالحها. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الموقف الروسي الصيني الداعم لإيران.