يبدو أننا سننتقل من سؤال من قتل الحريري؟ أو من المستفيد من قتل الحريري .. إلى إشارة استفهام جديدة لا تحمل سوى الاضطراب. فقبل اغتيال الحريري كان واضحا أن الإدارة الأمريكية تريد بالدرجة الأولى هيكلة الشرق الأوسط حتى تستطيع السيطرة على الحدث العراقي، وبات واضحا أن الجغرافية – السياسية كانت عصية على الإدارة الأمريكية بشكل دفعها لدفع الأحداث بشكل سريع. صحيح أن القرار 1559 جاء بتوافق أمريكي – فرنسي خلال اجتماعات قمة الثماني الكبار، لكنه أيضا جاء ضمن عملية إزاحة للحدث من جديد من الشرق (العراق) إلى الغرب (لبنان).

تعجيل الحدث كان عبر عملية الاغتيال .. والحساب السياسي يوضح أن غياب الحريري هو شطب لتكوين سياسي خاص، وظهور لجملة من المواقف السياسية التي كانت غائبة مع وجود الحريري.

الفارق بين اليوم والأمس أن الحريري كان يملك برنامجا واضحا اقتصاديا أو سياسيا، وكان الطائف هو اللون الذي يشكل برنامجه، واليوم فإن لبنان يملك جملة إجراءات سياسية والسؤال ماذا بعد هذه الإجراءات؟ أما الجواب فربما لا يعنينا لأنه شأن لبناني!! والجواب أيضا هو ان الخرق الاستراتيجي الأمريكي لم يعد خافيا على أحد.

بعض الأصوات حاولت عقلنة الحالة اللبنانية سابقا وطالبت سورية بمبادرة!! ولكن بعد عام فإن كل الآليات السياسية تبدلت. وما جرى في لبنان لم يكن مسألة "شعب غاضب" .. وهو أيضا أكثر من مسألة انسحاب الجيش السوري. إنه استعجال في هيكلة المنطقة على أسلوب "الشرق الأوسط الكبير" باستغلال مواقع كانت منسية، أو تناستها الإدارة الأمريكية. وربما لا جدوى اليوم من التحليلات التي يطرحها البعض عن "الأخطاء" أو "الممارسات" ففي النهاية المواجهة السياسية اليوم قائمة، والمبادرة الحقيقية المطلوبة لا يمكن أن تكون رسمية.. بل يجب ان تكون مبادرة اجتماعية قادرة على تجاهل الاستفزاز، حتى ولو نسيت "القوى" على اختلاف مسمياتها أن الاغتيال السياسي هو في النهاية "اغتيال للمنطقة".