أبيض وأسود – سوريا الغد

سوريا بريئة تماماً واتهامها جاء ضمن مخطط كبير يقف وراءه المحافظون الجدد ومجموعة من مجرمي الحرب اللبنانيين

الكاتب الألماني يورغن كاين كولبل باحث في علم الجنايات في جامعة هوميولت في برلين، ويكتب في الشأن السياسي الخارجي لعدد من الصحف الألمانية الكبيرة، وكغيره من الباحثين عن الحقيقة في عالم غابت فيه الحقيقة بعد أن سطر المحافظون الجدد في أمريكا مشروعهم لرسم خريطة جديدة له، وجد كولبل أن مصالح هؤلاء هي التي رسمت ونفذت لعملية اغتيال الحريري بالاشتراك مع مجموعة من المتأمرين (الأغبياء) كما وصفهم.. كمرحلة لتنفيذ مخطط أكبر يشمل المنطقة كلها. ولأن سوريا كانت منذ اللحظة الأولى مجرد كبش فداء أراده هؤلاء لتنفيذ ماذهبوا إليه، فقد تيقن كولبل، ومن خلال بحثه المتواصل والدلائل الدامغة التي أوردها في كتابه، أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن سوريا بريئة من الاتهامات المسوقة. ومؤخراً زار صاحب كتاب (اغتيال الحريري - أدلة مخفية) دمشق بدعوة من ومركز سوريا الغد للدراسات والنشر ومجلة أبيض وأسود.. وكان هذا الحوار الذي يتزامن نشره في المجلة وفي موقع سوريا الغد الإلكتروني.

هل يعتمد كتابك (اغتيال الحريري - أدلة مخفية) في بحث قضية الاغتيال منحى التقصي الجنائي، أم التحليل السياسي؟ كلاهما.. إذا انطلقنا من مفهوم الجريمة الحاصلة، وأنا أعتقد بوجود شبكة كبيرة جداً لها علاقة بهذا الموضوع، وبالتالي فقد تعاملت مع المنطقة الرمادية من الجانب السياسي، حيث وجدت أن المسألة تعود لسنوات طويلة من محاولة هذه الشبكة قلب الأوضاع في سوريا ولبنان. .. الشبكة عملياً موجودة في الولايات المتحدة الأمريكية وهي التي خططت وهيأت ونفذت من الناحية الأيديولوجية والعملية لهذا الانقلاب، وانطلاقاً من هذه النقطة بالذات تابعت العمل على أبحاثي إلى أن وجدت علاقة هذه الشبكة بالوسط الإجرامي الذي يدخل ضمنه عدد من اللبنانيين المتورطين بأعمال إجرامية أثناء الحرب الأهلية في لبنان، إضافة إلى بنى مافياوية تتعامل بتجارة الأسلحة وغسيل الأموال وصولاً إلى نشاطات مختلفة. وهذه الشبكة المركبة أيديولوجياً وسياسياً تعمل بشكل وثيق مع الإدارة الأمريكية منذ سنوات طويلة، ويمكن القول إن الطريق الموصلة إلى رؤوساء الإدارة الأمريكية عبر هذه الشبكات التي أسميها (الطابور الخامس) تمت عبر الوسط الإجرامي الذي أشرت إليه ولعبت فيها العلاقات الشخصية.. هذه العلاقات التي يجب البحث فيها بشكل موسع.

تحدثت عن وجود شكل أيديولوجي.. ماذا قصدت بهذا التعبير؟ توجد في أمريكا لجنة تسمى نفسها (من أجل لبنان الحر) وهي منظمة مؤلفة من لبنانيين يقودها زياد عبد النور وتم إنشاؤها عام 1997 وتعمل بشكل وثيق مع الأيديولوجيين المحافظين الجدد في أمريكا. وضمن المنطلقات الأساسية لمنظمة لبنان الحر إسقاط النظام في سوريا ولبنان، أما النقطة الأولى فتنطلق من إسقاط النظام السوري ثم تحرير لبنان، ويعمل عبد النور بشكل وثيق مع بعض رموز المعارضة السورية وهؤلاء مندمجون بشكل وثيق مع لجنة تحرير لبنان ضمن الإدارة الأمريكية. وضمن لجنة تحرير لبنان توجد حلقة ذهبية مؤلفة من أشخاص تم توظيفهم ضمن الإدارة الأمريكية وخاصة في حكومة الظل التي يقودها (ديك تشيني) مثل (ريتشارد بيرد) و(دانيال بابيت) وهناك أمثلة عديدة في كتابي حول هذه الأسماء.

تشارك عبد النور مع دانيال بابيت بتأليف وثيقة عام 2000 للتخطيط من أجل وضع أجندة عامة للأحداث التي جرت وتجري منذ ذلك الوقت في المنطقة، والأهم من ذلك يجب أن نعرف أهمية مثل هذه الشبكة، فمنذ الحادي عشر من أيلول وأمريكا تحاول مستترة بعنوان الديمقراطية أن تغزو العالم لتحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ونحن نعلم جميعاً أن الهجوم على أفغانستان بدأ عندما كان هناك طابور خامس جاهز من أجل هذا الموضوع. وتكرر الحدث في العراق بوجود (المؤتمر الوطني) للمجرم الشلبي إضافة إلى نفس الأشخاص الذين عملوا في حكومة الظل لـ(تشيني).. والآن نصل إلى السبب الأساسي للأحداث الأخيرة في أواسط التسعينيات عندما كانت (كوندليزا رايس) تعمل مع شركة (شيفرون) واعترافاً من الشركة بفضلها أطلقت اسمها على إحدى ناقلات النفط التي تخصها، واتفقت (رايس) مع تشيني الذي يعمل في (هاليبورن) لبناء أنابيب نفط من آسيا الوسطى عبر تركيا إلى أوروبا، وأقرب طريق للعمل كان يمر عبر أفغانستان وباكستان، ولهذا السبب كان يجب أن تسقط أفغانستان كي يتمكنوا من إنشاء خط النفط، وعلينا أن لا ننسى أوكرانيا التي دخلت ضمن الخط المرسوم وهذا يفسر قيام الثورة البرتقالية فيها. وبالنسبة للعراق فمن المعروف أنه بلد يحتوي على أكبر احتياطي عالمي للبترول، ولكي يستطيع المحتلون السابقون العودة كان يجب أن يسقط العراق.. والسؤال المطروح الآن: كيف ينقل البترول من العراق؟ في السابق كان حوالي 40% من هذا النفط يمر عبر الأنابيب التي تمر عبر سوريا وصولاً إلى بانياس مع وجود فرع إلى طرابلس، ليتم نقله لاحقاً إلى أوروبا وغيرها من الدول، وهذا يشكل بحد ذاته سبباً لتغير النظام في سوريا ولبنان بهدف إعادة تشغيل هذه الأنابيب بوجود حكومات شكلية تساعد على مرور البترول دون تعقيدات. ولنلاحظ أنه عقب حرب العراق 2002 صرح وزير البنى التحتية الإسرائيلية (رودسكي) أنه يريد أن يحول حيفا إلى روتردام البحر المتوسط، وهذا يعني أن النفط القادم من شمال العراق يجب أن يأتي إلى إسرائيل عبر الأردن الذي أجرى بردكس معه مفاوضات نالت موافقة واشنطن. وحتى (نتنياهو) صرح بأن هذا الخط سيعمل بالمستقبل القريب.. إذاً هناك أسباب اقتصادية يمكن أن تكون ضمن العوامل التي تقف وراء هذه الجريمة.. مقتل الحريري.

نود معرفة ما لفت انتباهك في كون القضية والتحقيق مفبركين منذ البداية؟ كصحفي أكتب في السياسة الخارجية في صحيفتين يوميتين (أمانيا الجديدة) و(العالم الشاب) تابعت البرامج التلفزيونية المتعلقة بجريمة الاغتيال وبقيت ملتصقاً بشاشة التلفاز يومياً لمتابعة ما يجري، وقمت بعد ذلك بكتابة التقارير الأولى عن الحادث، ولاحظت أنه ومنذ اليوم الأول الذي قتل فيه الحريري صدرت الاتهامات الأمريكية لسوريا، الأمر الذي أثار انتباهي كوني درست جامعياً العلوم الجنائية وحققت في الكثير من الجرائم والجنايات، لذلك لم أستطع أن أتخلى عن شعوري بأن كل هذا التصعيد الإعلامي مجرد دعاية، ومن الواضح أن هذه الجريمة هي جريمة سياسية، وكان من الطبيعي أن المشاركين السياسيين فيها يظهرون أنفسهم، فمنذ اللحظة الأولى لم تكن لديهم رغبة بتوسيع دائرة التحقيق في لأي اتجاه. بالنسبة لـ(بوش) و(رايس) والأمم المتحدة فقد ضغطوا منذ البداية باتجاه اتهام سوريا، وبالتالي ليس من المستغرب تسمية المحقق (فيتزجيرالد) الذي حقق للمرة الأولى، فهو كتب تقريراً في السابق حول مذابح جنين للأمم المتحدة برّأ فيه إسرائيل منها، علماً أنه لم يذهب إلى هناك مطلقاً. ومن غير المعقول أن يقدم بعد ثلاثة أسابيع تقريراً يعتبر فيه سوريا مسؤولة عن هذه الجريمة، وبعد فيتزجرالد حدثت فترة انقطاع طويلة، ليتم تكليف عدد من الخبراء بإدارة التحقيق لكنهم لاحظوا مدى قذارة المهمة المطلوبة منهم فرفضوا.

وهل كانت مهمة التقصي بحثاً عما يثبت ما ذهبت إليه سهلة، أم أن صعوبات كثيرة اعترضت عملية بحثك تلك؟ المهمة كانت صعبة، ومع أن جمع المعلومات هواية بالنسبة لي، إلا أنه كان من الصعوبة بمكان ربط هذه المعلومات مع بعضها، وهي مهمة صعبة بالنسبة للكثير من الصحفيين أيضاً، خاصة وأن الشبكة التي ذكرت كانت قد بذلت جهوداً كبيرة لإخفاء بنيتها. إذا نظرنا فقط إلى لجنة لبنان الحر التابعة لزياد عبد النور لوصفناها وبلا تردد بأنها ناد للأغبياء، فهم يفكرون ببعض الأفكار المستحيلة في الفنادق وفي بعض المؤتمرات، إن هذه اللجنة تم اعتبارها من قبل الكثيرين الذين تحدثت معهم أنها تضم فقط مجموعة من الأغبياء. وتعمقت في أبحاثي اللاحقة لأربط بين لجنة عبد النور وصولاً إلى ما يدعى المقاومة اللبنانية في المنفى، وفي بعض الأحيان استطعت الحديث إلى عبد النور وأن أضطره للكذب، لكن في اللحظة التي تم فيها توضيح العلاقة أجدني أقف على حافة حفرة كبيرة وأتحرك ضمن المنطقة الرمادية لأجهرة الاستخبارات، هنا يتم من قبلهم الاتصال بأشخاص لهم علاقة مباشرة مع الـCIA أو بالموساد، ليظهر أهم خط من التحقيق وهو العلاقة التي تربط عبد النور ولجنته وما يدعى حكومة لبنان الحر في المنفى الموجودة في واشنطن والقدس (لو نظرنا إلى حكومة المنفى هذه بشكل منفصل لوجدناها تدعو للسخرية لدى الكثيرين).. وبين الوحدة (504) وهي وحدة خاصة للمخابرات العسكرية الإسرائيلية التي دربت جنودها على عمليات الاغتيال والتجسس وأعمال العنف، كما دربتهم على أحدث الطرق في تفجير السيارات، وقد تم إنشاء هذه الوحدة بعد عام 2000 أي بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، حيث تم تجنيد بعض عناصر جيش لبنان الجنوبي في صفوفها.

وماذا كانت ردود الأفعال التي صاحبت صدور الكتاب عالمياً وعربياً؟ في ألمانيا تم حجب الحديث عن الكتاب في جميع الصحف الكبرى، ومع أنهم طلبوا نسخاً من الكتاب للاطلاع عليها لكن كان هناك صمت مطبق حوله، وحتى المراسلين الخارجيين للمجلات مثل مجلة (دير شبيغل) لم يبدر منهم أي رد فعل يبين الاهتمام بالكتاب، وهنا أود أن أذكر أن القاضي ميليس قد مُنح وساماً رفيعاً في ألمانيا كنوع من التقدير على عمله في لجنة التحقيق. في فرنسا كان رد الفعل الوحيد هو الصمت المطبق، لكن بالمقابل هناك أصدقاء كثيرون في الغرب رحبوا به، إضافة إلى عدد من مواقع الإنترنت العربية وأجريت معي عدة مقابلات.. بالعموم السياسية الألمانية لم تنظر إلى الكتاب بعين الاعتبار، وفي لبنان كانت ردود الأفعال متناقضة.

وهل ترى وجود رأي عام أوروبي مختلف بدأ يتشكل حالياً بعيداً عن البروبغندا الإعلامية التي تقودها أمريكا وحلفاؤها في قضية تسويق الاتهامات ضد سوريا؟ هذا هو الهدف الذي نطمح إليه، وأقول إن هناك مجرماً مجهولاً ويجب التحقيق في مختلف الاتجاهات ويجب وضع عدد من الاحتمالات، وهذا عمل جنائي طبيعي، ولكن لم يتم ذلك حتى الآن، بل تم اعتماد خط واحد في التحقيق.

على الصعيد الشخصي هل واجهت صعوبات معينة؟ عرض علي مبالغ مالية للتوقف عن متابع العمل، وتعرضت إلى تهديدات بالقتل العام الماضي، مما اضطرني للتوقف لوقت قليل للتفكير في مستقبلي خوفاً على عائلتي، لكنني عدت إلى متابعة العمل إيماناً مني بأن ما أفعله هو الصواب. ولكن مؤخراً تكررت التهديدات، كما تعرضت ماريا معلوف لتهديدات مماثلة بعد عرض المقابلة معي لقد قيل لها (اعتبري نفسك في عداد الأموات).

وهل ترى أن الشكل التي ارتأيته (الكتاب) يشكل أسلوباً ناجعاً في طرح أفكارك ونتائج ما وصلت إليه من تحقيقاتك.. لجهة إظهار الحقيقة؟ بالنسبة لي كان هذا أفضل إمكانية لأنني أردت أو أظهر وأفضح البنى التي تقف وراء الحادث، وكان من السهل أن أتعرض للانتقادات، لكن علينا أن نعرف أنه من الصعب إخفاء البنى، وأنا مقتنع أنني لم أشعل سوى ضوء صغير في نفق مظلم، وبالتالي فأنا على ثقة من أن عدداً آخر من الناس الشرفاء العاملين في الصحافة سيتابعون العمل وسيقدمون معلومات اضطروا لإخفائها خوفاً، لأن قتل الحريري تم تحضيره بشكل (مسرحي) ليعتمد لاحقاً على النواحي السياسية لإخراجه.

إذن يمكن القول إنك مقتنع تمام الاقتناع ومن خلال الدلائل التي قدمتها أن سوريا برئية تماماً من قضية اغتيال رفيق الحريري؟ أنا مقتنع بذلك تماماً، وقدمت الأسباب الحقيقة التي تقف وراء حادث الاغتيال، وإضافة إلى تلك الأسباب يجب أن نعرف أن جريمة كهذه تحتاج إلى تخطيط كبير ووسائط تنفيذ معقدة لا تملكها سوريا. وأود أن أضيف معلومة أخرى، فقد أصبح معلوماً في بيروت أن القمر الصناعي (الثريا) كان قد توقف لمدة عشر دقائق قبل تنفيذ العملية، وهذا الموضوع لم يذكر في تقرير التحقيق، ويجب أن يفكر الخبراء بالأسباب التي أدت إلى تعطله، ويجب أن لا ننسى أيضاً أن هناك 15 شخصاً اعترفوا بعلاقتهم وتم اعتقالهم، ثم تم نقلهم خارج لبنان من قبل وليد جنبلاط وسعد الحريري، ويجب التحقيق بهذه المعلومة أيضاً.