منذ تأسيسه في السبعينات وحتى اليوم عمل النظام السوري على الجمع بين المتناقضات بحيث كان يمسك العصا من وسطها , يد مع السوفييت و أخرى مع الأمريكان , يد مع الأيرانيين و أخرى مع السعوديين , و لاشك أن مهندس هذه السياسة أثنان : الرئيس حافظ الأسد و وزير خارجيته آنذاك عبد الحليم خدام .

و يتساءل الكثيرون هذه الأيام حول ما إذا كانت السياسة السورية اليوم تستطيع الأستمرار باللعب على التناقضات الدولية و الأقليمية و المرور بين الأخاديد و الزواريب ؟ سالكةً في أماكن لا يستطيع و لا يرتضي أحد من العرب سلوكها, لتصبح وظيفة رسمية للنظام السوري مستفيداً من الخلافات العربية ليلعب دور المقرّب بين وجهات النظر و يقدّم نفسه عرّاب المصالحات العربية ؟

لقد انتقلت السياسة السورية من التعامل السري مع الأمريكان و حلفاءهم إلى التعامل العلني فهل تستطيع السياسة السورية الأستمرار في اللعب على الحبال و لعب دور العرّاب و تاجر الشنطة الشاطر؟

الجواب الوحيد هو :لا تستطيع ,لأن أحد القطبين غادر إلى عالم الغيب و الشهادة , و لأن الجمع بين أيران و السعودية اليوم هو أصعب بما لا يقاس من السابق , و لأن السياسة السورية الخارجية ضعيفة مقارنة بالثمانينات و التسعينات فالشرع ليس عبدالحليم خدام كما أن بشار الأسد ليس حافظ الأسد... و إذا ما خيّر السوريون بين أيران و السعودية فهم بلا شك سيختارون السعودية في النهاية , لأسباب عديدة منها :

أن النظام الأيراني في مهب العاصفة الدولية و الأقليمية بعد نجاحه بتخصيب اليورانيوم و هو بنظر دول الخليج مصدر خطر متنام عليها ظهر ذلك جلياً في الجولة الصينية الآسيوية للعاهل السعودي .

أن تنامي السياسة الدينية للنظام السوري و استنجاده بالشارع الأسلامي السوري سوف يملأ الفراغ السياسي السوري الداخلي و الخارجي بالأسلام السياسي السني المتوافق مع السعودية و المختلف عن أو مع أيران .

أن الموقف المصري الأخير بدى واضحاً حاداً تجاه أيران باتهامه الشيعة العرب الولاء لأيران , و إشارته إلى دور أيراني تصعيدي في العراق .

و الإقرار بأولوية السعودية على أيران يعني بإقرار علاقة علنية واضحة مع الأمريكان ليس من موقف الند أو الحوار و لكن من موقع التبعية المعلنة و الواضحة ...فالأصطفاف العربي ضد أيران و كذلك الأصطفاف الدولي المتنامي بسبب سياسة نجّاد الصدّامية لن تسمح لسورية الأستمرار بالتورط مع أيران طويلاً إلا إذا أراد السوريون الأنتحار , و لا بد من الإشارة أن المعركة بين أيران و الولايات المتحدة مختلفة عن معركة سورية و الولايات المتحدة , فأيران قوة أقليمية عسكرية كبرى و هاهي تدخل نادي الدول النووية بينما سورية عسكرياً لا تساوي شيئاً في المنطقة مقارنة بأيران أو تركيا أو اسرائيل و حتى بالنسبة لمصر و السعودية , فليس الخلاف بين سورية و امريكا لأسباب عسكرية أو أمنية أو اقتصادية أو ثقافية , إن الخلاف الوحيد بين سورية و امريكا سببه تدخل النظام السوري في العراق و لبنان و دعمه للمنظمات الأرهابية و تورطه بعدد من القضايا الأخرى , و هو لا هم له و لا قضية سوى أن يبقى مستمراً في الحكم , فلم يعد الهم السياسي الرسمي السوري همّاً قومياً أو حتى همّاً داخلياً بل كل الهم منصبّ على كيفية الأستمرار في السلطة , و لا شك أن النظام السوري كما النظام العراقي السابق سيقدم كل التنازلات الممكنة و غير الممكنة في سبيل ذلك , فهو لا يستطيع التخلي عن مافيات البترول و المال و قوى الضغط من أجل عيون أيران أو الشعب السوري , فلقد حرم الفرنسيين من حق التنقيب عن البترول السوري و هم المحسوبين كأصدقاء لسورية و قدمه للأمريكان على طبق من ذهب في عزّ الخلاف السوري الأمريكي لم لا و الشركة الأمريكية التي سمح لها بالتنقيب يمثلها في سورية أحد أركان النظام ؟ في الوقت الذي " مدد الرئيس الاميركي جورج بوش امس الاثنين الحظر على تصدير المواد العسكرية او الحساسة الى سوريا وكذلك مدد تجميد اصول السوريين الذين يساهمون بالتدخل في شؤون لبنان او يدعمون منظمات ارهابية. وامر الرئيس بوش بتمديد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على سوريا في 11 ايار/مايو 2004، حسب ما اعلن البيت الابيض " بحسب نشرة كلنا شركاء السورية التي يديرها البعثي المقرب من النظام أيمن عبد النور, النشرة نفسها و في نفس العدد و في خبر جاء بعد الخبر السابق مباشرة تنقل كلنا الشركاء الخبر التالي " وقعت الشركة السورية للنفط والشركة السورية للغاز وشركة "مارثون للنفط" الاميركية عقداً لتنمية النفط وانتاجه في مدينة حمص.... وانشاء التسهيلات السطحية اللازمة لتجميع النفط ومعالجته ونقله..... بموجب العقد ستمول شركة "مارثون" وتنفذ كل الاعمال بتكاليف تقديرية في حدود 127 مليون دولار، وحددت فترة التنقيب بـ25 سنة اعتباراً من تاريخ الانتاج التجاري الاول، قابلة للتجديد خمس سنوات.

" وفي خبر آخر من نفس النشرة و نفس العدد أن " المؤسسة العامة للتجارة الداخلية للمعادن ومواد البناء في سوريا وقعت مع شركة "بوتماك انرجي انجز" الاميركية عقدا لتوريد مليون طن متري من الاسمنت البورتلاندي الى سوريا لسد حاجة السوق المحلية. وان توريد الاسمنت "سيتم بمعدل شهري يقدر بـ90- الف طن متري بمعدل باخرتين شهريا، من معامل المجموعة في آسيا وأوروبا اعتبارا من بداية شهر حزيران المقبل وهو قابل للتجديد لثلاث سنوات ويتزامن توقيع الاتفاق مع تدهور كبير للعلاقة الثنائية على المستوى السياسي تجسد في صدور "قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان" عام 2003، الى اتخاذ السلطات الاميركية اجراءات في حق سوريين قضت بتجميد ودائعهم واصولهم في المصارف الاميركية، وشملت ايضا مؤسسات رسمية مثل البنك التجاري السوري. "

فهذه الإشارات المتناقضة ظاهرياً على الأقل تشير إلى أن الأمريكان لم يحسموا أمرهم تجاه النظام السوري و أن قانون معاقبة سورية ماهو سوى جعجعة لا طائل منها بدليل الأتفاقيات البترولية الأستراتيجية بين سورية و أمريكا التي سيستفيد منها أركان النظام بالطبع في حال تم تنفيذها .

لا شك أن الأمريكان سيحاولوا شراء الموقف السوري لإبعاد النظام السوري عن أبران و لا شك أن النظام السوري سيلعب على الموقف الأمريكي و على الأيرانيين معاً ليخرج من المعمعة رابحاً من الجميع كما عودنا الدهاء السوري بجناحيه الدمشقي و البعثي بدليل التوقيع أمس على مذكرة تفاهم بين وزارة النقل وشركة اميران الايرانية والتي تعهد بموجبها الجانب الايراني بتقديم 1200 باص مجانا تعمل على الديزل الحيوي وبناء وحدات تصنيع الديزل الحيوي وكذلك بناء منظومة حاسوبية لاسلكية متكاملة لادارة حركة الباصات اضافة الى تعهد الجانب الايراني بالالتزام بالتعرفة الحكومية للنقل الداخلي وكذلك زراعة اوشراء المنتجات اللازمة لتصنيع الديزل ا لحيوي"..نشرة كلنا شركاء أليس أمراً مذهلاً حقاً ؟؟ عقدان مع الأمريكيين و عقد مع الأيرانيين !!!

سيحاول النظام السوري التحالف مع الجميع جامعاً بين التناقضات لاعباً عليها من أجل أن يستمر في الحكم حتى لو تحول إلى ورقة بيد أيران و سواها تستخدمها لمواجهة خصومها , كما سيستمر بتقديم تنازلات لأمريكا و يستمر بالمناورة و اللعب على الوقت دون أن ننسى أن تقرير برامرتز ليس بالبعيد أبداً و في نفس الوقت سيستمر في خلط الأوراق اللبنانية و منع الحوار اللبناني اللبناني مستقوياً بحزب الله و مجموعة الأحزاب و القوى و الشخصيات اللبنانية الموالية محاولاً إسقاط حكومة السنيورة و سيوجه رسائل إلى الداخل الفلسطيني ليخلط الأوراق و يمسك بزمام الوضع هناك إلى أن يأتي يومه , باختصار النظام السوري يتحالف مع الجميع بمن فيهم الأيرانيين و التيار الأسلامي السوري الصاعد و يساوم بقدر استطاعته ثم هو يتنازل في النهاية للأقوى سواء كانت أمريكا أو أوروبا وفي نفس الوقت يقبض على عنق كل من تحت قبضته من شعب سوري و أحزاب و قوى لبنانية و فلسطينية و عراقية موالية له , لغاية واحدة أساسية هي أن يبقى في الحكم .

إن النظام السوري و ببساطة شديدة ليس في الخندق المعادي للمشروع الأمريكي إلا إذا كان هذا المشروع يضع على قائمة أولوياته إسقاط هذا النظام و هو أمر غير مؤكد حتى اليوم بدليل ما سبق ذكره و بدليل تواصل الحور غير العلني مع الأمريكان في واشنطن و سواها من المدن الأمريكية عبر مرسلين سوريين من مثقفين و سياسيين و بحضور شخصيات سياسية من اليمين الصهيوني المحافظ , و أسرائيلي رسمي أحياناً و هو ما أكده لنا أحد هؤلاء المرسلين ؟