روعة "الحاكمية" اليوم أنها شكل من الخيال الذي يداعب البعض، ويعيد تشكيل حياته على سياق القرن الواحد والعشرين ولكن بأشباح الماضي، فيظهر سوق خاص بالنساء في الأردن، أو تنفجر المقالات حول واقع العلمانية في سورية. فـ"الحاكمية" لم تعد دعوة من سيد قطب، أو هدفا للإسلام السياسي، لأنها تتسرب نحو تكسير الثقافة التي باتت أطيافا، أو حتى اختبأت بين ركام الماضي. لكن مسألة الحاكمية لا يمكنها أن تصبح خطابا داخل مقالة، فهي على ما يبدو قرارا ذاتيا لكل فرد بعد أن أصبح "الشرق الأوسط الكبير" يتشكل بأيدينا، أو بافتراقنا داخل "الحرب على الإرهاب"، فيصبح الارتداد نحو انفسنا هو الأسلوب الأمثل لمواجهة تقتلنا يوميا من العراق إلى فلسطين. فإذا كانت الحاكمية دعوة سياسية هشمت الكثيرين في القرن الماضي، فإنها اليوم أسلوب اجتماعي هجين يريد تأكيد الهوية بالارتداد فيضيع الماضي والحاضر وسط تناقض هذا المفهوم.

عمليا فإننا نبحث داخل "الحاكمية" المستحدثة عن الصور القديمة، أو حتى "التهويمات" الحديثة الممزوجة بدعوات بن لادن والظواهري والزرقاوي، وبالصيغ "الرحمانية" التي يحملها خطباء المساجد، فتصبح الحداثة نقيض الهوية أو مرادف الفساد … أو تكون تقليدا للغرب وكأننا نملك ما نستطيع التعامل به. فـ"الحاكمية" كما تظهر في اللحظة الحاضرة "سلوك" يومي لا يهدف إلى تدمير "جاهلية القرن العشرين" حسب سيد قطب، بل بناء عالم من الافتراضات تريحنا من عناء التفكير بهذه "الحاكمية" المعلقة على مساحة من الوهم. ويبدو أن "الحاكمية" لم تنتظر كثيرا بعد حرب "افغانستان" حتى أصبحت "حركات التحرر" لها سمة دينية ومنبثقة عن مبدأ "الحاكمية".

وربما لن يطول الزمن كثيرا حتى نشهد أبوابا جديدة من تطور الحاكمية على أرضية الثقافة المتأرجحة في المنطقة، على الأخص بعد "فورة" "المجاهدين" في العراق. لكن المسألة برمتها مسؤول عنها التيار الحداثي إن وجد .. لأنه اعتقد لفترات طويلة أن الثقافة القديمة تذوب تدريجيا، وهو يكتشف اليوم أن الحداثة اسم منسي في ثقافتنا الاجتماعية ...