! الحياة

لم تعد حكايات «التجنيد» في الجيش السوري (الخدمة الالزامية) سراً، لكنها واحدة من المحرمات التي لا يناقشها السوريون علناً في الغالب. وكثيرون لا يعرفون أن «الهارب» من الخدمة في الجيش السوري، والتي تستمر سنتين أو أكثر، عليه أن يدفع مبالغ في مقابل «شرعية» وجوده خارج البلد، للعمل أو لأمور أخرى. هذا المبلغ الذي يسمى «بدل الجيش النقدي» يفتح الباب للكثير من الحكايات التي ترويها مجموعة من الشبان السوريين المقيمين في الامارات. بعضهم، علم أخيراً أنه سيظل في الامارات الى الأبد، لأن قوانين الجيش في بلاده لن تسمح له بالعودة... مطلقاً!

ثلاث وجهات سفر يُسمح للمغترب المقيم فيها أن يدفع «بدل الجيش»، والمبلغ يتفاوت بحسب هذه الوجهات. في دول الخليج العربي على الشاب أن يغترب لمدة خمس سنوات، يدفع بعدها بدلاً قيمته خمسة آلاف دولار أميركي. الوجهة الثانية أوروبا الغربية، وعلى الشاب أن يغترب هناك لمدة عشر سنوات ويدفع بدلاً قدره عشرة آلاف دولار أميركي. والثالثة الولايات المتحدة وكندا، وعليه الاغتراب خمسة عشر سنة، ودفع خمسة عشر ألف دولار أميركي.

السوريون اكتسبوا قدرات هائلة على التكيف والتعامل مع القوانين الاستثنائية، فتناثرت جالياتهم في دول الاغتراب وباتت الإمارات خصوصاً ودول الخليج عموماً، الوجهة المفضلة لمعظم الشباب الباحث عن حل لمشكلة خدمة العلم.

يراجع المغترب سفارة بلاده، ويحصل منها سنوياً على سند يثبت إقامته في مغتربه، وأنه لم يغادر بلد الإقامة لأكثر من تسعين يوماً. يرسل السند في بداية كل عام الى سورية، حتى تبلغ أيام المغترب المعدودة الرقم المنشود، فيُعطى الإشعار بدفع البدل ضمن مهلة محددة، ليعفى من يستطيع الدفع من الخدمة الإلزامية للأبد.

يقول نديم: «في بلد مثل سورية يدفع المواطن الضرائب كأنه يعيش في بريطانيا ويحظى بخدمات ومستوى معيشة وكأنه في بوركينا فاسو... غريب». ويضيف: «إن الخدمة الإلزامية - إذا نظرنا إليها بعيداً من الشعارات والأغاني الوطنية - تصبح نوعاً من الضريبة الإضافية هدفها الوحيد تعطيل انطلاق الشباب، خصوصاً طلاب الجامعات، ودخولهم الحياة العملية، ليعودوا الى سوق العمل بعد سنتين، فيبدأون من الصفر أو تحته بكثير وبعض الشباب يقرر الذهاب الى الخدمة، لأن الذي أتمّ الخدمة الإلزامية يملك امتيازاً تكتيكياً في إيجاد فرصة عمل، أو امتيازاً اجتماعياً». ففي سورية يعد من مناقب العريس المنتظر أنه «جامعي وخادم جيش». تلك جملة سحرية ترفع من رصيد العريس وتعطيه حظاً إذا ما فكر في إتمام «نصف دينه».

الخدمة الإلزامية، التي هي سنتان للجامعي وسنتان ونصف لغيره، عبارة عن مرحلة توقف كل النشاطات الأخرى للشاب المتخرج، فيتفرغ خلالها كعسكري للركض مسافات شاسعة حليق الشعر، يتقاضى راتباً شهرياً لا يزيد على سبعة دولارات.

«بيت صغير»... في كندا

غالبا ما تتشابه قصص الشباب السوري في الإمارات في عمومها، وتختلف في تفاصيلها. فريد حصل على دكتوراه من جامعة موسكو. ولأن دول أوروبا الشرقية ليست مشمولة بقائمة الدول التي يمكن لسوري دفع البدل النقدي منها، قرر المجيء إلى الإمارات ليساهم أحد أصدقائه باستصدار إقامة له في دبي. يعمل فريد في غير مجاله الأصلي، وهو الاعلام، ويحصي الأيام في مرورها لكي تصل الى خمس سنوات، ليدفع البدل ويعود إلى بلده ويكون قد ناهز الأربعين عاماً. معن قادم من كندا، وهو مهندس ومبرمج نظم معلومات. اختار الخروج من سورية قبل تسعة أعوام بسبب خدمة الجيش الإلزامية. حصل على الجنسية الكندية مع عمل في مونتريال، ثم جاء الى الإمارات ليختصر الزمن والبدل، وليفاجأ بأن سند إقامته غير مقبول، نتيجة انقطاعه عن ارسال السندات من كندا. واذا عاد الى وطنه، ستكون الشرطة العسكرية في انتظاره... لسوقه متخلفاً عن الخدمة الإلزامية.

العيش بـ 300 درهم شهرياً

توصل أيهم بعد عمليات حسابية عدة إلى آلية لتجميع قيمة البدل، خصوصاً انه يعمل في أحد المطاعم، لسبعة أيام، مقابل 1200 درهم إماراتي شهرياً. يقتطع من راتبه 300 درهم، أي ربعه لكي يكون البدل في حوزته بعد خمس سنوات، ويقول: «سأعود إذا بقيت بصحتي وعافيتي ولم أضطر الى تغيير سكني الذي أدفع مقابله 600 درهم مشتركاً مع ثلاثة شبان في غرفة واحدة»!

لعماد قصة طويلة مع بدل الجيش، عمرها خمسة عشر عاماً، فهو درس في روسيا وتزوج امرأة أميركية، ليغادر إلى لوس أنجليس ويحصل على الجنسية الأميركية، وعمل حتى اصبح مديراً لشركة لها فروع في تسعة بلدان. جاء إلى الإمارات واستبشر خيراً بعد قبول سند إقامته الأول، ليتبدد أمله كلياً حين تبين له أن عليه البقاء في الإمارات من دون المغادرة لأكثر من تسعين يوماً متواصلة، كل عام: «كيف يعقل، وأنا رجل أعمال أمضي معظم وقتي متنقلاً بين القارات الخمس، أن أعطل كل حياتي وأرهنها كي أرضي قانوناً سوريالياً لا أحد يعرف الحكمة منه، ولا أحد يستطيع في هذا العالم استنباط أي قيمة له. ماذا يعني ان بقيت داخل الأمارات أو خارجها إذا كان المطلوب هو الخروج من سورية. هل هو حجز إلزامي؟».

عماد يدخل الى كل بلاد العالم بلا تأشيرة دخول، وحدها سورية لا يستطيع زيارتها، إلا تحت مسمى «مغترب زائر». ولكن لماذا لا يفعل؟ يصمت قليلاً ويقول: «مجرد التفكير في أنه يمكن لموظف حكومي أن يوقفني في المطار ويسوقني، خطأ، الى الجيش، أمر يفزعني، خصوصاً إن هناك إرثاً من عدم الثقة المتبادل بين الحكومة والمواطنين على هذا الصعيد ليس من السهل تغييره».

استغلال

حاتم، مصمم فني في احدى شركات الإعلان الكبرى، يقول ان قانون البدل النقدي والاغتراب القسري، يشكل عبئاً اضافياً على الشباب السوري الباحث عن فرصة عمل، نظراً الى استغلال القانون من بعض الشركات الصغيرة. يضاف إليه قانون الحرمان الذي يمكن للكفيل أن يتسبب به، في حال عدم التوافق بين الموظف ورب العمل. هذه الظروف تجبر الكثير من الشباب السوري على القبول بشروط عمل بامتيازات أقل من أقرانهم الوافدين، كما يجعل الشباب السوري متسرعاً في القبول بأية فرصة عمل، حتى لو كانت لا تتناسب مع مؤهلاته ليسرع بارسال سند الإقامة، أو ما يحلو لـ «مهند» تسميته بـ «سند النجاة». فنرى مهندساً في الجيولوجيا يعمل في شركة أبحاث تسويقية، وأستاذ لغة عربية يعمل «شيف» مطعم، ومهندس زراعي يعمل في شركة مرطبات، وطبيب أسنان يعمل مندوب مبيعات. الهدف لم يكن، لمرة، العمل بحد ذاته، إنما أيضاً التخلص من عبء الخدمة الإلزامية.

بينما يواصل الوافدون العرب والأجانب عملهم في الإمارات، مستفيدين من التسهيلات التي تمنحها قوانين البلد، مدعومين بكل ما لدى حكوماتهم من قوة لتيسير أمورهم ومدهم بالمساندة اللازمة والإجراءات الميسرة، يجترح المطلوبون للخدمة الإلزامية من الشباب السوري ما يشبه المعجزات للحصول على فرص عمل في سوق شديدة المنافسة، ويتكدسون في طوابير مزدحمة للحصول على سندات الإقامة لتساعدهم في الحصول على فرصة لزيارة سورية ودفع البدل والعودة المظفرة بعد خمس سنوات، إذا استطاعوا الخروج من الثقب الذي دخلوا منه.