إثنان بين قلة كانا على علم بزيارة الرئيس نبيه بري لدمشق الأحد 7 أيار ومقابلته الرئيس السوري بشار الاسد: الرئيس فؤاد السنيورة المعني بالحوار واعادة وصل ما انقطع سياسيا بين البلدين، والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله واجهة المواجهة في الدفاع عن سوريا. كان الهدف من الزيارة فتح الأبواب بين دمشق ورئيس الحكومة اللبنانية لبدء حوار جدي حول العلاقات المتدهورة بين البلدين. ورغم الإنطباعات الإيجابية التي أبرزها رئيس المجلس، وخصوصاً حيال الأبواب المفتوحة، فإن المطلعين على الموقف السوري يرون ان الأمر دونه عقبات شتى، تختصرها دمشق بأنها غير مستعجلة لاستقبال السنيورة.

وتدرج مآخذها في الملاحظات الآتية:

لن توافق على استقبال رئيس الحكومة اللبنانية إذا كانت المحادثات لإقامة علاقات ديبلوماسية لبنانية - سورية وترسيم الحدود بين البلدين في مزارع شبعا.

تعتقد دمشق أن تمثيلا ديبلوماسيا لبنانيا – سوريا وترسيم الحدود ليسا البندين الوحيدين للمناقشة بين البلدين، بل ينبغي أن يكونا جزءاً من سلسلة يتضمنها جدول أعمال أي محادثات رسمية، تتناول أيضاً وعلى نحو أوسع نطاقاً العلاقات اللبنانية - السورية. وهي لن تناقش أياً منهما على أنه بند مستقل في ذاته.

بمقدار ما تؤيد دمشق ترسيماً للحدود يبدأ في الشمال وينتهي في الجنوب، فإن المداولات الجارية داخل القيادة السورية لم تبت تماماً بعد إقامة تمثيل ديبلوماسي لبناني - سوري، ومن غير المؤكد أنها سلّمت بهذا الأمر رغم الضغوط الدولية، وآخرها القرار الذي ينتظر أن يصدره مجلس الأمن في الأيام المقبلة.

وعلى متابعتها اليومية لمواقف الأفرقاء اللبنانيين منها، الحلفاء الحاليين والسابقين والخصوم، ومراجعتها تطور الوضع اللبناني من خلال خلايا عمل سورية، تصغي دمشق باهتمام الى أكثر من نصيحة لبعض حلفائها البارزين، تشجعها على إقامة سفارة سورية في لبنان في إطار بناء علاقات ديبلوماسية لبنانية - سورية يستطيع من خلالها السفير السوري الإقتداء بتحرّك السفيرين الأميركي والفرنسي في بيروت، كما سائر السفراء العرب الذين يجولون على السياسيين اللبنانيين، وفي المناطق، ويدلون بتصريحات سياسية بعضها يزيد وطأة التجاذب السياسي والانقسام. وإذذاك يكون في وسع دمشق عبر سفيرها - تبعاً لأصحاب النصيحة - التحرك بحرية كاملة من داخل الوضع اللبناني والتأثير فيه، الى أن يصبح إغلاق السفارة السورية مطلب المنادين بفتحها.

تقارب دمشق مطالبة فريق 14 آذار بتمثيل ديبلوماسي على مستوى السفارة على أنها استفزازية في توقيتها، يُراد بها تقويض ما تتمسك به وهو "العلاقات المميزة"، أو في أبسط الأحوال ترمي الى إنهاء الصيغة النافذة حتى الآن في تنظيم العلاقات اللبنانية - السورية، بحيث تأتي المطالبة بفتح سفارة سورية في بيروت مكمّلة للنتائج السياسية والعسكرية لانسحاب الجيش السوري من لبنان. الأمر الذي ترفضه. وهي تعتقد، استناداً الى المطلعين على موقفها، أن إقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين تأتي في خاتمة مفاوضات على بناء علاقات طبيعية تشمل في ما تشمل علاقات الجوار والأمن المتبادل والإتفاقات المعقودة ووقف الحملات الإعلامية، وتتوج بفتح سفارة ما دام إغلاق هذه، في التقاليد الديبلوماسية المتبعة بين الدول، يمثل أحد آخر مظاهر تدهور العلاقات.

ووفق التقويم الذي يجريه المطلعون على الموقف السوري، تبدي دمشق ارتياحها الى تطورات تجعلها تتباطأ، كي لا يقال تتجاهل طلب الحوار مع فريق الغالبية الحاكمة في لبنان، وتعزوها الى:

إطمئنانها أولاً الى مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية في النزاع الناشب بين البلدين حول السلاح النووي الإيراني. وهي على إطلاع دائم ودوري من طهران على مراحل هذه المفاوضات، ولا تعتقد انها تشكل مصدر قلق لها ولاستقرار نظامها في الوقت الحاضر على الأقل.

وإرتياحها ثانياً الى خروج حلفائها الى المواجهة مع فريق الغالبية الذي، رغم إمساكه بمقاليد السلطة، لا يزال عاجزاً عن السيطرة على الحكم بعد إخفاقه في أكثر من مواجهة مع خصومه، وأبرزها استمرار رئيس الجمهورية في منصبه.

وتعويلها ثالثاً على التوازن السياسي الجديد في الوضع اللبناني سواء من خلال التحالف الشيعي المتين بين بري ونصرالله، والتحالف الآخر بين نصرالله والرئيس ميشال عون، وتشجيعها على قيام جبهة معارضة تضم حلفاءها سياسيين وأحزاباً في بيروت والشمال والبقاع وصيدا، بحيث يطبق هؤلاء على فريق الغالبية الحاكمة بكماشة سياسية تضعف من قدرته على الإمساك بالسلطة.

واعتقادها رابعاً أن مسار التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو كابوسها السياسي الفعلي بإزاء المجتمع الدولي، يسير في منحى إيجابي بالنسبة اليها. وخلافاً لما يقول به فريق 14 آذار وتوقعه إدانة قوية لسوريا، فإن هذه تبدي سلفاً ارتياحها الى تقرير المحقق سيرج برامرتس في 15 حزيران باستبعادها تضمنه أدلة تشير الى ضلوعها في الإغتيال.

والواقع أن الغموض الذي يغلّف به برامرتس مهمته، على عكس ما فعل سلفه ديتليف ميليس، يجعل كل من الأفرقاء المعنيين بالتحقيق الدولي يعتقد أن التقرير سيصب في مصلحته هو.