أمسى <الخبز> حليفاً موضوعياً لسوريا في لبنان، وليس فقط مجرّد نغمة يجري اللعب على وترها من بين أوتار أخرى. لا ريب في أن سوريا تدعم وتبارك كل خطوة من شأنها استنزاف الحكومة اللبنانية أو فرط عقد <قوى 14 آذار>. إلا أنه ليس من العبث أن يكون <الخبز> بالذات، أو مجمل القضايا المطلبية والمعيشية، بمثابة الخاصرة الرخوة جداً لقوى 14 آذار، التي تحدس بأن <الخبز> هو أقوى حجة يمكن أن تُحرّك بوجهها، وأن يُصار الى التكتيل على أساسها تحت طائلة قلب الطاولة. هذا مع الأخذ بالحسبان أن <الخبز>، أو مجمل المطالب والقضايا التي يرمز اليها، انما ترفع لواءه القوى الموالية لسوريا على نحو يجمع في آن بين منتهى <التجريد> وبين منتهى <الشعبوية>، فهذه القوى محقة تماماً في رفض الحلول <الإصلاحية> المطروحة أو المبيتة لدى الحكومة، الا أنها مخطئة تماماً إن جنحت للدفاع بالمطلق عن قطاع عام جُعل بعضه منذ زمن طويل مرتعاً للفاسدين، وإن لم يكن، فللخاملين.

كان <الخبز> الذي خرج الى التظاهر، بالأمس، مجرّداً وشعبوياً في آن، الا أنه مع ذلك، يدخل متغيّراً في مسار الأزمة اللبنانية، فهذا الخبز يشكل حليفاً موضوعياً لسوريا، لأنه يسمح بتكتيل واسع للقوى المناهضة للأكثرية البرلمانية، دون أن تمتلك هذه الأكثرية شعاراً مقابلاً بديهياً تعود من خلاله الى الشارع. في الأيام العادية، لا تستسيغ <قوى 14 آذار> النزول الى الشارع، وتكتفي بخيمتها المنصوبة وسط المدينة. إلا أنها لا تجد بدّاً للنزول حالما يُحرّك الشارع المناوئ لها. التحريك على أساس <الوفاء لسوريا> في 8 آذار، دفعها الى التعبئة المناصرة للخيار الاستقلالي في 14 آذار ثم في 14 شباط، اذ جرت المبارزة بين معيارين مختلفين للوطنية. بما يمكن أن تنادي <قوى 14 آذار> شارعها الآن؟ هل تملك هذه القوى مطالب نقابية واجتماعية تحرّكها بوجه <قوى الممانعة>؟ هل تملك <قوى 14 آذار> خبزاً في وجه ذاك النوع من الخبز المجرد والشعبوي في آن، الذي تحرّك بمعية تفاهم مار مخايل زائد الحزب الشيوعي؟ هل يمكن أن تتظاهر 14 آذار دفاعاً عن الورقة الإصلاحية، هل يمكنها التظاهر ضد الجوع والفاقة والضرائب؟ إن كان الجواب بالسلب، فهذا يعني، أن <الخبز> أمسى حقيقة حليفاً لسوريا.

وما دام يجري الكلام عن استحضار الخبز الى الشارع فلا بأس باستطراد عن اليسار. نجد <حزباً شيوعياً> أعاد لململة جمهوره بالتحوّل الى أقصى يسار <تفاهم كنيسة مار مخايل>. وتلك مراهنة قد لا تحمد عقباها إن بقيت قيادة <الشيوعي> تسيء تظهير هويتها النقدية المستقلة فتتبرأ سواء بسواء من غلوّ الليبراليين ومن تعنّت الممانعين. في المقابل، يتهلهل <اليسار الديموقراطي> في وظيفة يتيمة: هو إذ يخفض سقف <الإثارة الاجتماعية> فإنه يوجب حكماً على قوى 14 آذار خلع كل أوراق التين الاجتماعية. فلو كان <اليساري> غير آبه بالقضايا الاجتماعية، ومهادناً للورقة الاصلاحية وبيروت ,1 فما الذي يمكن انتظاره بعد ذلك من القوات والمستقبل والجنبلاطيين؟ ليس <لليسار الديموقراطي> قدرة الحزب الشيوعي التعبوية. لكنه سيتحمّس رأساً لخيار <وإن عدتم الى الشارع عدنا>. وبطبيعة الحال، لن تكون العودة باسم الخبز <الملموس> و<المكتسب بعرق النضال النقابي الحقيقي>، وإنما من موقع إحياء معركة <تحرير قصر بعبدا>.

فإن لم تنزل <قوى 14 آذار> إلى الشارع مجدّداً فعلى حلفها السلام، وسيخرج من عباءتها عفريت 5 شباط مجدّداً. الشارع مسلك اضطراري عند قوى 14 آذار. مع ذلك فإن الجماهير المحسوبة على 14 آذار تتميز بعض الشيء عن جماهير 8 آذار بأنها ليست تماماً غبّ الطلب. بخلاف الخبز الشعبوي والمجرّد، لا يمكن أن تُفعَّل الهجمة على بعبدا بيافطة شعبوية ومجرّدة. الشعار سيكون رئاسياً. تلك بداهة. إلا أنه سيجد نفسه مضطراً هذه المرة بالذات إلى تظهير صورة مرشح 14 آذار الجدّي بوضوح، وما إذا كان ثمة مرشح يتفق عليه سنة ودروز وموارنة 14 آذار سلفاً. يوحي هذا المنظار بأن المرشحين الثلاثة <الذميين>، والمغتربين عن مركب <العنفوان الماروني>، قدّموا للاستهلاك على طاولة الحوار ليس أكثر. المرشح الجدي الوحيد ل14 آذار اسمه سمير جعجع. كلما كان ميشال عون أقوى في الشارع المسيحي كان سمير جعجع أقوى في 14 آذار. تلك هي المعادلة.