سوريا مقبلة على تحديات داخلية وخارجية صعبة، ففي دولة عقائدية اهتمت كثيرا ببناء الرموز واعتنت بتنميق الشعارات، ونحتت لغة سياسية ذات مفردات تعبوية، فإنّ أول، وربما أخطر استحقاق يواجهها، يدور حول ’’هيبة الدولة’’، وهي ليست مجرد مسألة رمزية، وإنما مشكلة عملية أيضا، إذ كيف سيحافظ حكام سوريا على صورتهم قوية في نظر مواطنيهم وهم الذين خرجوا أمام عيونهم من لبنان تحت الضغط الدولي، في حين أنهم يشددون قبضتهم الأمنية في الداخل السوري؟

استحقاق آخر صعب أمام سوريا يدور حول علاقتها بالإدارة الأميركية، فالمشروع الأميركي لا لبس في نيته أو أهدافه، إذ لم يترك المسؤولون الأميركيون مجالا للشك في أنّ مطالبهم من سوريا في لبنان والعراق وفلسطين لن تكون الأخيرة، وأنّ المطالب الأميركية تتنوع ما بين تغييرات في الداخل وأخرى في الخارج. وهنا يكمن التحدي، إذ يقع على القيادة السورية أن تتعامل، بحنكة وهدوء شديدين و’’دبلوماسية خلاقة’’، مع حملة النهش الأميركية المقبلة عليها، فلا تستفز غضب إدارة الرئيس بوش، على رغم أنه غضب مبالغ فيه بل ومستفز للمشاعر، كي تسد الثغرات وتضيّق المسافات - قدر الإمكان - أمام الحركة الأميركية والدولية التي باتت تحوم من حول سورية.

إنّ القيادة السورية في حاجة إلى أن تعالج كل هذه القضايا بخطة مدروسة تحسّن صورتها داخليا وإقليميا ودوليا، إذ عليها أن تتبنى مقاربة جديدة تخرجها من حال التردد والارتباك التي سببها تراكم الأخطاء الاستراتيجية، وذلك من خلال إدارة حكيمة للتراجع عن هذه الأخطاء، فمثلا عند الحديث عن العلاقات الدبلوماسية مع لبنان تجد الخطاب الرسمي السوري يشير إلى أنّ المعاهدات التي تمت بين البلدين خلال تسعينات القرن الماضي أقوى من العلاقات الدبلوماسية متناسيا أنها تمت في مرحلة الوصاية السورية على لبنان، وأنّ المجتمع الدولي يسلط الأضواء على كل ما تم في تلك المرحلة من إكراهات كان آخرها التمديد للرئيس لحود. إنّ واقع الحال يطرح السؤالين الجوهريين التاليين: كيف تهيئ القيادة السورية أرضية داخلية صلبة قادرة على التعامل مع معطيات وتطورات العالم المعاصر لتأمين المصالح الوطنية والقومية العليا من خلال ’’التكيّف الإيجابي’’ مع متطلباته؟

وما هي أدوات ووسائل التغيير؟ إنّ التعاطي المجدي مع الأخطار والتحديات، التي تطرحها التحولات الوطنية والإقليمية والدولية على جدول الأعمال السوري، تتطلب البحث عن أسباب الضعف الداخلي ومعالجته جديا للنهوض بالقدرات الكامنة إلى مستوى التطورات الجديدة والتعامل معها على أساس من التكافؤ والاقتدار في الميادين المختلفة، مع العلم أنّ مصدر القوة الحقيقية لأية دولة هو التناغم والتكامل والتوازن بين سلطة الدولة ومجتمعيها المدني والسياسي. ومما لاشك فيه أنّ تحديد الأولويات ومراجعة الأهداف المزمع تحقيقها ضرورة ملحة في سورية، ليتم التركيز على متطلبات الإصلاح وتكريس القواعد الديمقراطية وبناء المؤسسات الدستورية ومعالجة المشاكل المعيشية وتحديث الهياكل والبنى الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق التنمية والارتقاء بمستويات القدرة السورية على الانفتاح على العالم، والتعامل معه من موقع الشراكة، في ظل توجهات العولمة التي لم يعد هناك مجال لتجاهل آثارها السلبية والإيجابية على كل بلدان العالم. ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات الإصلاح السوري، فالإصلاح ونجاحه يستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الدولة الحديثة، المواطنة. إنّ نجاح أي مشروع للتغيير في سوريا، من داخل السلطة أو من خارجها، مرتبط بإجراء إصلاح سياسي شامل، مقدماته الضرورية تقوم على الانتقال من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي، بما ينطوي عليه ذلك الانتقال من إلغاء كل القيود على الحريات الديمقراطية، وعلى الدعوة إلى استقلال القضاء وسيادة القانون، بما يضمن قيام دولة حق وقانون عادلة وقوية، دولة المواطنين الأحرار.