بعد الاشهر و الاسابيع المنصرمة التي شهدت تصعيدا إستثنائيا في لغة التهديد و الوعيد الامريکية مع طهران، وبعد کل تلک التصريحات الدبلوماسية البريطانية المتتالية التي کان يطلقها وزير الخارجية السابق السيد جاک سترو والتي کانت مبطنة بمقاصد عديدة، وإذا فجأة يشهد العالم نوعا من التراجع الامريکي ـ البريطاني الملحوظ أمام القيادة الدينية الايرانية على ما يبدو وکأنه نوع من إعادة إلتقاط الانفاس و التهيأ لحملة جديدة بعد أن أخفقت الحملات السابقة أو کما يوضح مسار الاحداث إنها قد وصلت الى طريق مسدود.

وإذا ماکانت طهران قد إستطاعت أن تسلط الاضواء عليها بقوة بعد تلک الرسالة الدراماتيکية التي بعثها الرئيس الايراني الى الرئيس الامريکي جورج بوش، والتي أکدت العديد من أوساط المحللين الايرانيين، إنها کانت بقلم المرشد و بتوقيع السيد أحمدي نجاد، فإن ذلک لم يکن بإستطاعته مطلقا أن يحرف أنظار المراقبين عن جملة تحرکات غريبة في واشنطن و لندن و طهران طالت فيها وزير الخارجية البريطاني و رئيس المخابرات الامريکية المرکزية و إعتقال شخصيتين إيرانيتين إحداهما من الوسط الثقافي أما الآخر، فقد کان يتواجد في أغلب الاحيان في الولايات المتحدة الامريکية و کان ذو إطلاع واسع بالکثير من الذي حدث أو يحدث خلف الستار الايراني، والامر المثير و الملفت للنظر إن هذه الشخصية الاخيرة قد إختفت بشکل غريب وليس هناک أية معلومات تفيد بإختفاءه في امريکا أو أنه قد إختفى بعد عودته الى إيران، مثلما إن التکهنات تحيط بظروف و ملابسات إختفاءه الفجائي. کما إن إعتقال السيد ابراهيم يزدي وزير الخارجية الايراني الاسبق و الشخصية الليبرالية الايرانية أثناء زيارته لمعرض الکتاب الدولي في طهران وبصورة ملفتة للنظر، قد تکون لها علاقة ما بهذه القضية أو تداعياتها.

ونظرة واحدة لطبيعة کل تلک التطورات التي حدثت، تبين أن الازمة النووية الايرانية هي التي کانت الداينمو المحرک لجميعها، إذ توضح وفي لحظة إلتقاط أنفاس أمريکية ـ بريطانية، إن طهران قد وضعت بضعة بيضات فاسدات تحت الاحضان الدافئة للمخابرات المرکزية الامريکية و أعرق وزارة خارجية غربية ملمة باجندة الدول الشرقية، هذه اللطمة الايرانية التي وجهتها دولة کانت کل من واشنطن و لندن تعتقدان بسذاجة قادتها و ضحالة أداء أجهزتها الامنية، قد کانت من القوة بحيث دفعت الدولتين الحليفتين على أکثر من صعيد الى مراجعة سريعة لأوراقهما فيما يخص الموضوع الايراني.

ولعل الدور الاستراتيجي المهم و الحساس الذي لعبته إيران في موضوع إنجاح المشروع السياسي ـ العسکري الامريکي في کل من أفغانستان و العراق، کما وإن تعاطيها الذکي مع العديد من الاجندة الامريکية الاخرى في بقاع أخرى من العالم، قد دفع بساسة و منظري واشنطن للإعتقاد بإن طهران تبتغي من وراء ذلکه مجرد دور محدود قد لايکون أکبر من ذلک الذي أوکلته واشنطن بالامبراطور محمد رضا بهلوي، لکن الذي حدث دفع واشنطن قبل لندن الى عملية إعادة إستقراء دقيقة لمجمل موقفها العام من کل جوانب القضية الايرانية. ذلک أن طهران لم تعد ترضى بدور شرطي أو باش کاتب، بل إنها تريد أن تکون دولة وصية على شعوب المنطقة وهو أمر تترجمه في سياق تعاملها الايديولوجي مع دول المنطقة.

لقد إستطاعت طهران أن توهم واشنطن و لندن بمجموعة معلومات ملفقة وغير صحيحة بشأن برنامجها النووي سربتها من قنوات خاصة بها و بشکل مخطط ومدروس، مما دفعت الدولتين الحليفتين للبناء في ضوئها وإذا بهما تدرکان أن کل لبنة وضعاها في البنائين قد کان وهميا! الموضوع الايراني و خطورته سوف يتوضح رويدا رويدا، وسوف يتبين أن القيادة الدينية في إيران قد ذهبت أبعد من الحدود المسموحة لها على الصعيدين الدولي و الاقليمي، وإن تبنيها لموضوع الشيعة قد لايکون سوى برقع وهمي للوصول الى أهداف أکبر و أوسع في المخيلة الايرانية التي يبدو أنها لاتريد أن تحجم نفسها في أطر محددة، کما سوف يتبين للغرب أن هناک ثمة خطأ و خلل إستراتيجي في طريقة و اسلوب تعاطيه مع موضوع الثورة الاسلامية الايرانية من أساسها ولابد من إعادة نظر سريعة دقيقة لهذا الامر.

إن المشکلة تکمن أساسا في نقطة جوهرية بالغة الاهمية و الحساسية، وهي أن الامريکان کانوا يتصورون أنهم يسيرون "آيات الله" و"حججه" في طهران ويحرکونهم کيفما يشاؤون حالهم حال العديد من النماذج الاخرى، لکن الذي توضح جليا بعد الاحداث الدراماتيکية الاخيرة، هو أن طهران هي التي تمسک باللجام الامريکي و تسحبه خلفها صوب متاهات قد تجر ويلات أسوأ بکثير من تلک التي تذيقها لأمريکا في العراق تحت مسميات أخرى مختلفة لکنها جميعها تحمل بصمات إيرانية لم تعد خافية على البيت الابيض.

من هنا، فإن تخفيف حدة الموقف الامريکي نوعا من إيران، وذلک الإنفتاح النسبي على حماس، و السماح بحرکة أوسع لدبلوماسية الحوار مع طهران بصدد برنامجها النووي، هو الخيار الحالي الذي لابد منه لواشنطن، رغم إن الادارة اليمينية الامريکية سوف لن تکون مثل آية الله الخميني کي تتجرع کأس السم وتتحسر، بقدر ماإنها ستقر بخسارة جولة في لعبة الصراع على النفوذ في واحدة من أخطر و أکثر مناطق العالم حساسية، بيد أنها سوف تستمر في اللعبة الى آخر جولة لها والسؤال هو: کيف و من أين ستبدأ واشنطن؟!