"ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى".

(سورة المائدة)

الرأي العام هنا، ولاسيما منه المعنيون بالشؤون الدولية من منظارها المصيري، وبالذات الذين يبعث فيهم شعوراً بالقلق كل هذا الذي يحدث في الشرق الأوسط – ايرانياً وذرّياً نووياً وعراقيا لاديمقراطياً، وصولاً الى فلسطين التي لا تزال في نظر أوروبا القضية المركزية المنها انطلقت وباسمها تنطلق كل الحركات العنفية التي تكاد تحتكر اسم الارهاب ومشتقاته...

الرأي العام تشغله اليوم قضية مصير "المسيحيين المشرقيين" الذين يجتمع بطاركتهم الغربيون (وفي طليعتهم البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير) تلبية لدعوة مؤسسة "عمل الشرق" المعنية بهذا الأمر والتي ارادت ان تجعل احياء الذكرى المئة والخمسين لانشائها مناسبة للتبصر في المصير المسيحي في الشرق الأوسط والعالم الاسلامي عموماً، بعد تزايد الحوادث والظواهر والأوضاع التي تجعل كثرة من المسيحيين يهاجرون الى الغرب يأساً من امكان "تمتّعهم بحقوق الانسان والمواطن بالمساواة مع المسلمين في ظل الدول التي هم فيها أقليات".

غني عن القول هنا، تبريراً لهذا الانشغال للبال ان أوروبا عانت حديثاً في شرقيّها، على الأخص، أهوال الحروب الدينية ومآسيها... وان أعرق الدول الأوروبية، كفرنسا بالذات، لا تزال تهزّها حركات عنفية منسوب بعضها الى الأقليات الاسلامية المتكاثرة فيها، مما يبقي حياً في الذاكرة العامة ماضي الحروب الدينية بما فيها الصليبية والسواها المحض داخلية...

ولعل ذاكرة الحروب الدينية وهاجس الهوية "الغربية" هو ما جعل انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي شبه مستحيل، رغم الحجج القائلة بأن ذلك يكسب أوروبا حجماً جيوستراتيجياً يقدّم مرتبتها على الهيمنة الأميركية التي تشكو منها... فضلاً عن القول ان أفضل لأوروبا أن تشاركها تركيا اقتصادياً فاجتماعياً، من الداخل، بدل ان يستمر اقتصاد اوروبا محتاجاً الى هجرة مئات الآلاف من "الشغيلة" القادمين من تركيا وايران وشمال افريقيا، ولا ينسجمون في جسمها الاجتماعي ونظامها السياسي.

اضافة الى العقدة في البحث في الهوية الفرنسية المتأتية من واقع كون الطائفة الفرنسية المسلمة قد باتت الطائفة الثانية في فرنسا، متقدمة على البروتستانت العريقي الأصل في هويتهم القومية الفرنسية!

أمور ستكون ولا ريب حاضرة في خلفية ذهن الرئيس جاك شيراك عندما يستقبل بطاركة الشرق، ثم على الأخصّ عندما يختلي بالبطريرك اللبناني، وهو – في آنٍ واحد – الأقرب الى فرنسا وأكثر البطاركة "عروبة" وانفتاحاً على الاسلام.

ومع ذلك، يؤلمنا ان تكون في خلفية ذهن السيّد البطريرك هذه المساءلة المؤرقة التي يستمر يطرحها على نفسه كل مسيحي مشرقي، والخلّص للعروبة منهم على الأخصّ:

حتام نظل نشعر بالحاجة الى الاستمرار في تذكير اخواننا المسلمين بأننا "الأقرب مودة" اليهم، وان ذلك يرتّب عليهم تآلفاً لا تشوبه شائبة ولا تهزّه مشاعر الزهو بالقوة أو الثروة حيناً والتسربل بمركّبات النقص النفسية والمخاطر العابرة، أحياناً أخرى؟

ولمن يجهلون أو يتجاهلون، يحسن بنا أن نذكّر بأن حال "أهل الذمّة" الذي ارتضاه المسيحيون قسراً، الى حين، والى حين وجدوا فيه تحصيناً وحماية، لم يفرضه عليهم الاسلام ديناً وشرعاً، بل كان الشرع ذريعة توسلها الاستعمار العثماني لحكم المسيحيين العرب، فيما كان ينطلق في بداية زمن احتلاله الامبراطورية البيزنطية يبحث عن نصارى في البلقان من غير الجنسية اليونانية يعطيهم حقوق المواطنة الكاملة حتى يوازن بهم المجتمع الاسطنبولي ويحافظ على المكوّنات الثقافية والاجتماعية التي جعلت القسطنطينية في ما قبل عاصمة حضارية كونية، أي تعددية المشارب والتطلعات.

ولا يخفى على أحد ان نظام "الحمايات" الاوروبية لأهل الذمة، تبعاً لانتساباتهم الدينية، لم يكن نتيجة فعل ايمان مسيحي، بل كان نظاماً "كولونيالياً" ابتكره الاستعمار الأوروبي في ذلك الحين لنخر الامبراطورية العثمانية من الداخل، تمهيداً لهدمها من الخارج. وهو ما حصل.

... وعلى خلفية هذا التاريخ، بقدر خلفية الاصولية المتصاعدة ارهاباً، ها هي أوروبا الاتحادية منطلقة، من سنة وتزيد، في محاولة اقامة "حلف حضارات وديانات" في وجه الخرافة العقائدية "البعض – اميركية" التي أطلقها مستشرقون سطحيو الفهم التاريخي، ولعلهم كانوا يبحثون عن ذريعة "حضارية" للحرب في الشرق الأوسط وعلى شعوبه... وهي حرب نعيشها، ونعيش خصوصاً مخاطر الوهم الاسرائيلي ان الدولة العبرية هي قلعة الحضارة الغربية في هذا الشرق وأنها النموذج الديمقراطي وحامل لواء السلام... وهي أوهام صهيونية تتساقط، حتى في العقل "الواشنطوني" الذي منها انطلق – زوراً باميركا وبهتاناً – في الحرب التي تقودها من هزيمة الى أخرى، ومن مأساة الى الأشد تعقيداً وهولاً!

ماذا في وجه الوهم الاسرائيلي عند العرب؟

النموذج اللبناني، وهو بطبيعة تكوين لبنان، موئل الحوار الحي المتعايش يومياً بين الأديان والثقافات.

واذا تفجّر هذا النموذج، وتركنا تعدّديته تنزل من مجالس الشورى الى مزالق التظاهرة الشارعية بما فيها مخاطر المنازلات المسلحة، انتهى بنا الأمر الى جولة جديدة من "حروب الآخرين"... والآخرون المعروفو الهوية والعداوات، لا يزالون يتربصون بنا يريدون نقل عداواتهم من جديد الى أرضنا والعقول، رغم فشل حروبهم في ازالتنا من الوجود الحر المستقل طوال ثلاثين سنة وتزيد.

والرسالة التي نرجو ان يحملها، اليوم، السيّد البطريرك اللبناني الى الرئيس الفرنسي وعبره الى المسيحية في العالم هي مثلثة:

أولاً: ان انقاذ المسيحية المشرقية لا يكون بالاستعداد لاحتضان اعضاء الكنائس الاعرق في ارض الغربة، بحيث تتحول "الارض المقدسة" محجّات سياحية مفرغة من وجود الشهادة الانسانية الحية فيها!

ثانياً: ان الحفاظ على النموذج اللبناني وانماءه – محصّناً بشرعية دولية لاستقلاله وسيادته ومؤسساته الدستورية هي نقيض الترتيبات الكولونيالية في وجه الامبراطورية العثمانية – الحفاظ على هذا النموذج هو ضرورة عربية، بل اسلامية في كل مكان للإسلام، لكي يبقى افق التاريخ المستقبلي فسيحاً أمام نهضة عربية جديدة تخلّص الدول العربية، بل الاسلامية كلها من الانزلاق على مهالك "اصولية جهادية" غريبة عن طبيعة الاسلام، بل هي نقيضه لأنها على صورة الصهيونية التي زرعت الارهاب في ارضنا ونكاد نقول درّبتنا عليه، وهي – أي الصهيونية - التي تسعى بكل الوسائل، من الكتب والمقالات الى الافلام التلفزيونية والسينمائية، الى نشر الشك في الاصول الايمانية المسيحية.

ثالثاً: ان لا "حلف بين الحضارات" يبقى ممكناً اذا لم تنجح الرسالة اللبنانية، فتصير هي – لا اسرائيل – خميرة الديمقراطية في المشرق بكل دياناته، بما فيها اليهودية... ولعلها الأحوج الى التحرير من رواسب العنصرية التي انتقلت من اعدائها اليها... وابرز مظاهرها حائط الخوف والذل الذي تسيّج به دولتها!