هذا الفلسطيني قد يكون رجلا او امرأة او شجرة وقد يكون من فتح او حماس او الشعبية او الديمقراطية او هؤلاء جميعا وقد احتشدوا في معطف او عباءة لان الثمانية والخمسين عاما التي قطعناها عبر مستنقعات وتلال ووديان هي عمر الدراما الفريدة في عصرنا، منذ المستوطنة الاولى والحجر الاول والرصاصة الاولى ايضا.

كيف مرّت وأين؟ سؤال قد يستدرج التاريخ الى الشعر، مثلما يستدرج الخيمة الى بيت من رخام لا يحمي حتى حمامة لاذت بسقفه، او عششت في السّور.. وليس مهما الان تجريب فلسفة الاختزال في هذه الدراما التي يجب ان لا يحذف منها حتى نقطة واحدة لأنها من دم او عرق او دموع.

المهم هو سؤال آخر مهجور، كتلك البيوت التي ترجمت مدماكا.. مدماكا على سفوح الجبال من لغة الى اخرى، ولان الفلسطينيين لم يندمجوا في منافيهم الى درجة تجعل سؤال العودة ثانويا او من باب النوستالجيا ورومانسية طيور السّمان.. فان المأساة تغذت من تفاقمها، وهي الان تتحول من خطأ تاريخي كما قال ارنولد توينبي الى خطيئة كونية، وما من اعتذار يلوح في الافق، بل ما يحدث هو مضاعفة القتل بحيث يطال الموتى ويبعثر عظامهم، في قبور نائية عن مهود اصحابها تمردت وحلقت عاليا، لان الابادة لم تتم واخطأت هدفها الاخير وربما الوحيد وهو تجريد الفلسطيني من جلده ومن وشم الهوية!

ان فلسطينيا او فلسطينية عمر احدهما ثمانية وخمسون عاما، لا يصعب تخيل السيرة الذاتية لهما.. طفولات مهدورة على رصيف العالم وصبا مسفوح على تخوم شيخوخة أزفت قبل الاوان، وهجرات متعاكسة عبر خطوط الطول والعرض لهذا الكوكب الذي تحول الى مخيم كبير، لان الشعوب برمّتها اعادت ترتيب الاولويات، فوضعت الرغيف اولا وثانيا وثالثا.. ورابعا وضعت جُحر الاقامة والمأمن المؤقت!

انها دراما تستمد فرادتها لا من التاريخ فقط ولا من فائض الهجرة والدم واللامبالاة بل من تحولها الى اختبار اخلاقي وثقافي بحيث ما ان يستقيل فلسطيني من فلسطينيته او عربي من قدره الفلسطيني حتى يقدم طلب انتساب مثقف او فنان او طالبة الى هذا النادي الذي تتصارع فيه الخوذة مع حجر، والسّور الأمني العنصري مع الرّبح والحمامة مع نقار الخشب!

في الثامنة والخمسين يتحول الآباء الى أجداد ان كانوا بشرا.. والى جرار واعشاش ان كانوا شجرا.. فمن ولدوا في تلك الظهيرة او ذلك الفجر او عند الغروب من الخامس عشر من كل الشهور يتولون الان الاجابة الحاسمة عن سؤال الاسئلة كلها.. سواء جاء بالعربية او الانجليزية او حتى بالعبرية التي ضاعت فيها الفروق بين اسماء الاشارة.. بحيث اصبحت هنا.. هناك.. وهذا ذلك..! السؤال هو ما الذي جرى للفلسطينيين؟ بعد ثمانية وخمسين قرنا من الهجرة الاولى.. لان كل دقيقة عام.. وكلّ دمعة نشيد وكل موت قيامة!