سامي حسن (www.kanaanonline.org)

في الذكرى الثامنة والخمسين لنكبة فلسطين تعود الأسئلة لتطرح نفسها من جديد حول المشروع الصهيوني وظروف نشأته وتاريخ وحاضر ومستقبل الصراع معه وآلياته وكيفية ووسائل إدارته. وفي هذا السياق نسأل: ما هي الصيغة أو الحالة التي يجب الوصول إليها كي نقول أن الشعب الفلسطيني قد استعاد حقوقه وانتصر؟ وهنا تعدد الاجابات، دولتين لشعبين، دولة ثنائية القومية، دولة واحدة البعض يراها إسلامية والبعض ديموقراطية علمانية. وإذ ندعو إلى تبني والعمل من أجل خيار الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية على كامل فلسطين التاريخية فإن لذلك أسباباً عديدة نذكر منها:

1- إن خيار الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية هو استعادة للمشروع الوطني الفلسطيني الذي يوحد الشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده ) الشتات،67،48) حول هدف استراتيجي واحد، وقضية واحدة وأرض واحدة، ويساهم في تجاوز حالة التفتت والتجزئة التي كرسها و لازال النظام السياسي الفلسطيني بكل تعبيراته وتياراته.

2- إن خيار الدولتين بما يعنيه من قبول هيمنة الدولة الصهيونية العنصرية على أكثر من 80% من مساحة فلسطين، واستعداد للمساومة على حق العودة أو الالتفاف عليه هو انتصار للمشروع الصهيوني واعتراف بشرعيته، بينما يعني تبني خيار الدولة الواحدة رفض ومواجهة المشروع الصهيوني والتمسك بالحقوق الفلسطينية وفي مقدمتها حق اللاجئين في العودة.

3- باستناده إلى مقولات الديموقراطية وحقوق الانسان والعلمانية والمواطنة السائدة في عصرنا اليوم، يوجه خيار الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية ضربة في العمق للمشروع الصهيوني بكل عناصره ومرتكزاته وسماته لا سيما عنصريته وعدوانيته، ويساهم بقوة في تفكيكه والتسريع في هزيمته، حيث أانه يبدد مخاوف الاسرائيليين حول مصيرهم ويدفعهم باتجاه تيارات ـ هي اليوم ضعيفة - معادية للصهيونية ومؤيدة لحلول تضمن حقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في العودة، هذا الحق المقدس للفلسطينيين الذي بين الدكتور سلمان أبو ستة وبطريقة علمية وواقعية إمكانية تطبيقه دون أن يترتب عليه "رمي الاسرائيليين في البحر". وفي هذا السياق من المهم الاشارة إلى حقيقة أن تبني خيار الدولتين وما يعنيه من إجحاف وظلم بحق الفلسطينيين قد دفع الاسرائيليين إلى الالتفاف حول أكثر القوى تطرفاً وصهيونية وعنصرية في المجتمع الاسرائيلي.

4- إن المكانة التي تحتلها فلسطين في قلوب وعقول الجماهير العربية تجعل من خيار الدولة الواحدة الذي يحافظ على وحدة الأرض الفلسطينية خياراً استراتيجياً يعيد الاعتبار للبعد القومي للقضية الفلسطينية ويعيد توضيح جدل العلاقة بين نضال الجماهير العربية من أجل إنجاز التحول الديموقراطي في بلدانها والصراع مع المشروع الصهيوني.

5- تسعى اليوم الامبريالية العالمية بزعامة الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل المنطقة (مشرروع الشرق الأوسط الكبير) على أسس دينية واثنية وعشائرية وبما ينسجم مع المشروع الصهيوني، هذا ما حصل في العراق، وهذا ما يسعون إلى تحقيقه في فلسطين عبر تبني حل - رؤية بوش العنصرية - يقوم على تكريس إسرائيل كدولة دينية يهودية مهيمنة في المنطقة، وشطب حق العودة وإقامة ما يشبه الدويلة للفلسطينيين. وفي هذا السياق فإن طرح وتبني خيار الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية هو شكل من أشكال مواجهة المشروع الامبريالي في المنطقة وكشف لزيف ادعاءات الادارة الأمريكية حول الديموقراطية والعلمانية وحقوق الانسان.

ومما لا شك فيه أن تحقيق هدف الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية يتطلب تحول هذا الخيار إلى خطاب سائد وفي سياق صراعات وتحولات في منطقتنا والعالم، ولذلك فالمطلوب من القوى الفلسطينية وحلفائها من القوى العربية والعالمية التخلي عن فكرة الدولتين نهائياً وتبني خيار الدولة الواحدة وبدء المراكمة والعمل لخدمة هذا الخيار، وإن هذه الدعوة ليست للقوى الحزبية السياسية فقط بل إنها تشمل جميع الهيئات والمؤسسات وضمناً الهيئات الأهلية الناشطة في مجال الدفاع عن حق العودة، فإذا كان التركيز على الاختصاص ضروري، فإن الاقتصار عليه يعني غياب الجدل وعدم رؤية تداخل وتكامل وتفاعل العناصر المكونة لموضوع ما والمؤثرة فيه، فكيف إذا كان هذا الموضوع على درجة عالية من الخصوصية والتعقيد كما هو حال حق العودة؟

إن العلاقة الجدلية بين تطبيق حق العودة وإقامة الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية تجعل من أي نشاط وفعالية في مجال الدفاع عن حق العودة والتمسك به يصب في خدمة الدولة الواحدة، وكلما قويت حركة العودة واشتد عودها وطورت من نشاطاتها وفعالياتها الجماهيرية كلما كانت رسالتها للمجتمع الاسرائيلي والدولي بأن لا أستقرار ولا أمان إلا بعودة اللاجئين أبلغ وأوضح والعكس صحيح فكل خطوة يتم إنجازها باتجاه خيار الدولة الواحدة تقرب الفلسطينيين اللاجئين خطوات من ديارهم التي هجروا منها قسراً عام 1948.