لم يرد هذا العنوان بشكل صريح الا مرات قليلة ، لكن الايحاء به لا ينقطع ، والدوران حوله حتى لو كان تحليقا عاليا بدأ يجتذب عددا من الباحثين والمثقفين العرب الذين ضاقوا ذرعا بما يجري حولهم مما اصابهم بضيق التنفس كي لا نقول بالاختناق ، وثمة الان مصطلح بدأ يتكرر في سياقات عديدة هو العروية الجديدة ، بعد ان أفلست العروبة التقليدية كما يرى اصحاب هذا الطَّرح ، وقبل مناقشة هذا المصطلح ودلالاته وقابلياته للتأويل السّلبي ، علينا ان ننبه القارىء الى مسألتين ، أولاهما ان من يشككون بجدوى العروبة جذريا يقرّون من حيث لا يدرون بأن الاحزاب والنظم والافراد الذين ادعوا بأنهم رموز العروبة ، هم بالفعل تلك الرموز وكأن الامة بأسرها قد تكثفت وبالتالي تقطرت فيهم ، وهذا غير صحيح على الاطلاق ، وسقوط نظام ذي اطروحة قومية لا يعني سقوط القومية برّمتها الا اذا كان هناك اجماع على أنه يجسدها.. وما من اجماع كهذا بالطبع..

المسألة الثانية ، هي التعامل مع المفاهيم بعد اختزالها وشخصنتها ، وتجريدها التام من سياقاتها التاريخية والثقافية ، فالعروبة ليست أيقونة ، وليست طوطمية ، انها خلاصة حيّة لتكوين بنيوي شمل عناصر تشكل الامة كلها ، لهذا تبدو الدعوة الى اقتصار العروبة على بعد ثقافي كما يقول دعاة ما بعد العروبة اشبه بتحويل أمة متجانسة التاريخ واللسان والذاكرة وتعاني من تحديات لا تفرق بين آحادها الى امريكا اللاتينية مثلا او الفرانكفونية ، وقد يبدو بعض الخطابات حقا يراد به جملة من الأباطيل ، فالعرب لهم ثقافة لا تتجزأ ، رغم كل محاولات الخصخصة والتجذير القطري التي سادت بعد سايكس ـ بيكو ، لكن الثقافة وحدها لست القلعة كلها ، انها احيانا النخاع ، لكن العظم واللحّم يشملان عناصر اخرى ، قد تكون اقتصادية او اجتماعية او تربوية ، وتحميل العروبة كمفهوم تاريخي ووجودي ذي دلالة سياسية عبء ما يحدث ، وما يعصف بنا ، هو فرار مزودج.. فرار الى الوراء والى الامام في وقت واحد.. فالماضي ليس مسؤولا عما لحق بالحاضر ، كي نتوصل الى ان العوبة بكل ما تعنيه هي سبب المصائب كلها ، كما ان المستقبل المحرر من العروبة لا يعد الحالمين به باكثر من التسول في شعاب العالم ، خصوصا بعد ان بدأت الشعوب الاكثر ادعاء بالكونية وذوبان الهويات تتشرنق وتنكفىء على حدودها الجغرافيا ولسانها ،

ان مصطلح ما بعد العروبة الذي اصبح وشيك الاستخدام بعد كل هذا التمهيد والتهيئة النفسية هو المرادف الدقيق لما بعد العرب ، وهو في جوهره حكم بالاعدام الرمزي على ثقافة ووجدان وكينونة ، وسيعقب هذا الاعدام الرمزي ابادة تاريخية بالمعنى الدقيق ، لم نقرأ لالماني او فرنسي او امريكي كتابات تتحدث عما بعد الالمان او بعد الفرنسيين او بعد الامريكيين ، لهذا نتعجب من هذه الجرأة على قضم الذات ، والانتحار البطيء ، وثمة ما يستفز القارىء العربي ويخرجه عن طوره في بعض الاحيان ، وهو انتداب بعض الافراد لانفسهم ناطقين رسميين باسم التاريخ والامة وهؤلاء الذين يبشرون بالديمقراطية وحق الاختلاف يتناقضون في الصميم ، ولا ندري في أية مقبرة جماعية سيلقون بنا اذ قيض لهم ان يحكموا..،،