د.احمد مجدلاني

أنهى رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف إيهود أولمرت مشاوراته بشان تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة في الوقت المحدد ودون اضطراره للجوء إلى فترة الأسبوعين الإضافيين ، ويمكنه من عرضها غدا الخميس على الكنيست الإسرائيلي لنيل الثقة لتكون الحكومة الثانية والثلاثون في عمر الدولة منذ تأسيسها على أنقاض شعب ودولة فلسطين .

وقد تكون هذه الحكومة من أسهل الحكومات تشكيلا خلال العقديين الأخيرين من عمر الدولة الإسرائيلية حيث إنها لم تشهد استعصاءات أثناء إدارة المفاوضات مابين الأطراف المشاركة فيها ، ليس بسبب أن الحزب الأكبر والمكلف بالتشكيل لديه أغلبية كبيرة ومريحة تمكنه من اختيار حلفائه لتوسيع قاعدته الشعبية ورفع مستوى التأييد السياسي في حال إقدامه على خطوات من شانها أن تواجه معارضة كبيرة من قبل قوى فاعلة ومؤثرة في المجتمع الإسرائيلي ، بل على العكس من ذلك فإن الحزب الأكبر لا يملك مثل هذه الأغلبية الكبيرة ولا ترف انتقاء حلفائه من بين القوى السياسية المختلفة ، وإنما من آسهم بسلاسة إدارة المفاوضات وخاصة مع الشريك الثاني حزب العمل مجموعة من المتغيرات الداخلية والخارجية سهلت طريق المفاوضات الائتلافية ومهدت السبيل أيضا أمام التوصل إلى الاتفاقات مع قوتين لهما تأثير ونفوذ مجتمعي لا بأس به ، الاولى حزب شاس الديني والذي يعبر ليس عن اتجاهات سياسية متدينة في المجتمع الإسرائيلي ويشكل القوة البرلمانية الثالثة وإنما يشكل من حيث التركيب الأثني للمجتمع الإسرائيلي ممثلا والى حد كبير للطوائف الشرقية الأقل حظا واهتماما والأكثر تهميشا تاريخيا . كما إن القوة الثانية والجديدة والتي تعبر عن المتقاعدين في المجتمع وهي بدون شك وان كانت لا تحمل أية أبعاد وبرنامج سياسي فإنها وببعدها الاجتماعي ومطالبها بتحسين شرو ط وظروف حياة المتقاعدين في المجتمع الإسرائيلي والذين يشكلون نسبة كبيرة فيه بسبب التركيب السكاني المعبر عنه بالهرم المقلوب الناجم عن تدني نسبة الولادات ،فإن هذه الحكومة ستحظى وبدون أدنى شك ليس بأغلبية برلمانية مريحة وإنما بقاعدة تمثيل شعبي عريضة ارتباطا بتداخل وترابط الموضوع الأمني والسياسي مع الاجتماعي الذي تبلور في برنامج الحكومة ، ويمكن كل طرف مشارك فيها من الادعاء بان جزء من برنامجه قد تجسد في هذا البرنامج .

بيد إن جملة المتغيرات الداخلية والخارجية والمشار إليها أنفا والتي تشكيل الحكومة يمكن تلخيصها بالتالي . لقد كان نجاح خطة شارون بالانفصال الأحادي الجانب من قطاع غزة ، والتأييد الذي حظيت به هذه الخطوة رغم معارضة اليمين الديني والقومي لها إضافة لتجمعات المستوطنين وقوى ضغطهم الداخلية ، أن خلقت قوى اجتماعية مؤيدة لهذا الخيار حتى من قبل حزب العمل الذي سجل تراجعا عن برنامجه الذي يقوم عل حل الدولتين وفقا لمفاوضات مابين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي . واستعيض عن ذلك بصيغة في برنامج الحكومة تتيح لحزب العمل الادعاء بأنه لم يتراجع عن برنامجه من خلال تضمين برنامج الحكومة بندا معلقا ومشروطا بمتابعة المفاوضات مع الجانب الفلسطيني .

كما إن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة أفرزت إجماعا قوميا صهيونيا لا يمكن التغاضي عنه كمتغير داخلي مهم أسهم بتسريع تشكيل الحكومة الحالية ويتلخص بالنقاط التالية :
- لا مفاوضات حول القدس.
- لا للعودة لحدود الرابع من حزيران عام .1967
- لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين .
- نعم لاستمرار سياسة الاستيطان .
- لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. في حين إن المتغير الأهم والذي يمكن ترويج برنامج الحكومة هو الادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني بعد فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية وتشكيلها لحكومة منفردة ، ونجاح حكومة إسرائيل بالمقابل بتحشيد موقف دولي بدعم أمريكي لعزلها سياسيا وحصار الشعب الفلسطيني اقتصاديا . ومما لاشك فيه إن الانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل واستجابة وتفهم المجتمع الدولي للرواية الإسرائيلية الأمريكية سيمكن من توفير غطاء دولي كبير لتمرير المشروع الأحادي الجانب كما تقدمه الخطوط العريضة لبرنامج حكومة أولمرت بيرتس والذي يمكن التوقف عند ابرز جوانبه ارتباطا بالمتغيرات الداخلية والخارجية السابقة الذكر .

أنَّ الخطوط الأساسية التي وضعتها حكومة أولمرت بيرتس الجديدة وارتباطا بالمتغيرات الداخلية والخارجية المشار إليها، فإننا نجدها تندرج ضمن سياسة فرض الاملاءات على الشعب والقيادة الفلسطينية من خلال اتخاذ خطوات أحادية الجانب مغلفة بمزاعم للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين عن طريق المفاوضات بين الجانبين. وعادت حكومة أولمرت في خطوطها العريضة للتأكيد على البند المكرور بأنَّ "إسرائيل ستعمل على ترسيم الحدود النهائية لإسرائيل، كدولة مع غالبية يهودية وديمقراطية ".ويتابع البند: "أنَّ مساحة إسرائيل العتيدة تجبر إسرائيل على تقليص المستوطنات في الضفة الغربية".

ولم يتم ذكر عدد أو أسم المستوطنات التي سيتم إخلاؤها ولا حتى التصور للحدود النهائية. وترجح هذه الضبابية إلى أنَّ إسرائيل ستتبع ما صرّح به المسئولون الإسرائيليون في حكومتي شارون وأولمرت، بأنَّ إسرائيل ستضم إليها المستوطنات الكبرى والقدس الشرقية. مما يتنافى تمامًا مع قرارات الشرعية الدولية وخطة خارطة الطريق التي تدعي إسرائيل تمسكها بها كشرط لبدء المفاوضات مع الفلسطينيين ، وتبتعد أيضا كل البعد مع المطلب الدولي والفلسطيني على اعتبار حدود الرابع من حزيران 1967. حدودا دولية معترف بها لكلا الدواتين .

كما تورد الخطوط العريضة لحكومة أولمرت في بند آخر أنَّ "الحكومة الإسرائيلية ستعمل على ترسيم الحدود النهائية عن طريق المفاوضات واتفاق مع الفلسطينيين الذي يدار على أساس الاعتراف المتبادل والاتفاقيات التي وقعت وعلى أساس خارطة الطريق ووقف العنف وتجريد المنظمات الإرهابية من السلاح". إلا أنَّ حكومة أولمرت بيرتس تشرط التزامها بالمفاوضات مع الفلسطينيين ببند آخر يليه تمامًا وهو:"في حال لم يتصرف الفلسطينيون كما هو مذكور، ستعمل الحكومة الإسرائيلية من دون مفاوضات واتفاق على أساس توافق دولي واسع وتفاهم عميق بين إسرائيل وأصدقائها في العالم". لقد سعت حكومة إسرائيل منذ وصول شارون لرئاسة الوزراء إلى إثبات أنَّه لا يوجد شريك فلسطيني للمفاوضات. وقد اتخذ شارون اكبر واخطر الخطوات أحادية الجانب في تاريخ إسرائيل وهي فك الارتباط عن غزة من دون أدنى تفاهم مع القيادة الفلسطينية. وعلى هذا الأساس (أحادي الجانب) أسس شارون حزبه "كديما"، وسبقته حكومة "الوحدة الوطنية" التي جمعته مع حزب العمل والقائمة هي أيضًا على ضرورة اتخاذ إسرائيل خطوات أحادية الجانب، مدعية بأنها "استنفذت كل الطرق للتفاوض مع الفلسطينيين"والتاريخ يعيد نفسه وخلال فترة زمنية قصيرة حكومة ائتلافية جديدة تجمع كديما والعمل مبنية على أساس خطوات أحادية الجانب وهي خطة "التجميع" وهي الاسم الجديد والملطف للحل الأحادي الجانب التي يقودها أيهود أولمرت على خطى قائده ومعلمه شارون.

قد تجد هذه المهمة (إثبات "عدم أهلية" الفلسطينيين للشراكة) أسهل على أولمرت بادعاء صعود حكومة فلسطينية منتخبة بقيادة حماس تصنفها إسرائيل بحركة إرهابية ، وتلاقي دعما أمريكيا متصاعدا لادعأتها، وكذلك "تعاطف" دولي فيما يتعلق بحماس مما سيقوي هذا الادعاء من منظار زعم إسرائيل لاتخاذ خطوات أحادية الجانب. وفي ظل عدم توقف المسئولين الإسرائيليين عن التصريحات بأنّ حكومة حماس والسلطة الفلسطينية ليسوا شركاء والرئيس الفلسطيني محمود عباس ليس بذي صلة في المفاوضات، يجعل من بند الشراكة مع الفلسطينيين قابلاً للتغير في أي لحظة وهذا ما اتبعته إسرائيل أصلاً وهذا ما يحاول إيهود أولمرت إثباته منذ توليه رئاسة الوزراء بعد شارون.

وتواصل حكومة أولمرت نهج الخطوات الأحادية الجانب التي تجلى أولها ببناء جدار الفصل والتوسع والضم العنصري منذ عهد شارون. وأقرّت في خطوطها الأساسية بأن إسرائيل ستعمل "وبأسرع وقت على إتمام بناء جدار الفصل وستحارب الإرهاب في كل مكان زمان" ويتابع البند: "ستستمر إسرائيل ببناء القوة العسكرية ضمن التزام في تشخيص تقليصات في ميزانية الأمن وبلورة ميزانية تخدم سنوات". وهذا ما لم تتوقف حكومات إسرائيل المتعاقبة عن فعله خاصة وأن محاربة ما يسمى بـ "الإرهاب" بدت فضفاضة من دون تعريف وتحديد وكما هو واضح استهداف النشطاء الفلسطينيين بدون تمييز، وقد استشهد الكثير من المدنيين نتيجة ما يسمى بـ "محاربة الإرهاب" التي مثلت حربًا ضد الفلسطينيين بما فيهم عشرات الأطفال نتيجة الاغتيالات التي تنفذها إسرائيل ضد النشطاء الفلسطينيين. والقرار في هذا النهج اتبعته الأجهزة الأمنية في حكومة شارون وواصلته في عهد حكومة أولمرت المؤقتة وسوف تواصله في عهد الشراكة مع بيرتس . إن قراءة الخطوط العريضة لبرنامج حكومة أولمرت بيرتس الجديدة تتطلب رؤية فلسطينية تنطلق من مواجهة المخاطر التي تحملها هذه الخطة في ظل شبه إجماع صهيوني داخلي ومناخ دولي موات يوفر الغطاء لهذا الحل المفروض .

وفي ظل تراجع وانقسام وطني فلسطيني على برنامج القوا سم المشتركة برنامج م.ت.ف. الذي من شانه أن يوفر لغة خطاب سياسي مفهومة من العالم ويقطع الطريق أمام تجنيد الموقف الدولي لتوفير الغطاء للخطوات الانفرادية الإسرائيلية تحت مسماها الجديد التجميع ، إن محاولة انتهاج لغة خطاب سياسية جديدة تحت ادعاء (التفويض الانتخابي) و محاولة تغيير الإجماع العربي والدولي على سياسة وبرنامج المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ،يصب الماء في طاحونة الحل المنفرد ويوفر ذرائع إضافية لحكومة الشراكة الجديدة بين حزب الليكود بصيغته المعدلة كديما ، وحزب العمل بحلته الجديدة لتوجيه ضربة قوية لطموحات الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال ، وخصوصا بعد تراجع الأولوية الدولية والإقليمية في التعاطي مع الشأن الفلسطيني وتحوله من قضية شعب يريد الحرية والاستقلال وتقرير مصيره إلى شعب بحاجة لتوفير دعم إنساني واغاثي له لإنقاذه من مجاعة محققة .