خبران من خارج جدول اعمال اخبارنا اليومية لكنهما لا يقلان عنهما اسى وقتامة: نجاح الرئيس الايراني في «تخصيب» الزي الموحد للايرانيات من خلال مشروع قانون سيقره البرلمان، و«نجاح» جهاز الامن في سورية في اعتقال الناشط والكاتب ميشال كيلو بتهم متعددة بينها انه وقع على بيان المثقفين السوريين واللبنانيين وبينها ايضا اتصاله بمسؤولين في حركة «الاخوان المسلمين» للحصول على دعمهم لـ «اعلان دمشق».

ففي ايران التي يعمل رئيسها جاهدا لاستكمال «النموذج الاسلامي» في كل مناحي الحياة كان «لا بد من وضع حد لظاهرة التغريب» المنتشرة في ازياء الفتيات والنساء من خلال تشريع يقتضي الزامهن زيا موحدا خياراته متنوعة يحفظ للحشمة مكانة غير متوافرة في «الجينز» والقمصان الضيقة، واضفى التشريع «امتيازات» مالية على الزي الموحد من خلال دعم المصممين المحليين ومساعدتهم على توسيع مصانعهم الامر الذي يسمح مستقبلا «بتصدير التجربة» الى دول اخرى ترغب في رؤية ازياء جميلة محتشمة على الموضة الاسلامية.وللانصاف، فالزي الموحد ليس اختراعا ايرانيا، وهو وان كانت مبرراته «شرعية» في طهران الا انه وجد في اماكن اخرى وبمبررات مختلفة، ودائما في اطار «حالة ثورية تقدمية» لاضفاء صورة متماهية بين المجتمع والثورة او المجتمع والنظام, حصل ذلك في الانظمة الشيوعية السابقة وفي كوبا وفي كوريا الشمالية والصين وفيتنام والمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، وحصل جزئيا ولبعض القطاعات في دول عربية فرضت على العمال وطلاب المدارس والشبيبة والطلائع والرفاق واعضاء اللجان الشعبية ازياء معينة موحدة لالغاء الفوارق بين الطبقات من جهة وتوحيد المنظر الشعبي في دائرة الولاء للحزب او القائد او الثورة.وفي الاتحاد السوفياتي السابق تفرغ قادة الثورة خلال عملهم لتنظيم قضية الغاء الفوارق الطبقية الى فرض «زي فكري موحد» على الناشئة من خلال ما عرف بمدارس الالحاد حيث كانت النظرية الماركسية وافكار لينين جزءا من المناهج التربوية للعامة، وذهبت رومانيا تشاوشيسكو الى ابعد من ذلك عندما اراد القائد فرض «زي بشري موحد» من خلال «ابنائه» وهم عبارة عن آلاف الاطفال الذين ولدوا بلا آباء او خسروا اهاليهم جمعوا في معسكرات فكرية وقتالية بهدف بلورتهم مستقبلا كي يكونوا حماة والدهم القائد, كما ما زالت مواد التربية الاشتراكية والقومية والنظرية الخضراء في صلب مقررات الطلاب العرب في العراق (المناهج ستتغير قريبا) وسورية وليبيا.استفاد الرئيس احمدي نجاد من ارتفاع عوائد النفط فوجهها الى الدورة المالية الداخلية في الوقت الذي استكمل بناء ما يعتبره الذراع العسكرية للجمهورية الاسلامية,

حجبت البحبوحة النسبية اي اهتمام داخلي بالملف النووي فيما اطرب التخصيب آذان المتشددين الذين يرون في سياسات الاصلاحيين اضعافا للثورة، لكن خطوة استكمال مقومات الجمهورية بالزي الموحد تتجاوز قضايا الدفاع والسياسة الخارجية الى الحريات الشخصية في مجتمع عرف كيف يعبر عنها في اصعب الظروف، وهي خطوة مشابهة (مع بعض الفوارق) لخطوات حركة طالبان سابقا في كابول بالنسبة الى الزي الموحد للنساء ولعب كرة القدم وسماع الموسيقى واقتناء الراديو والتلفزيون.الزي الموحد في ايران قرار غير موفق ولن تكون حظوظه مختلفة عن التجارب التي حاولت فيها الانظمة او الثورات او الاحزاب الحاكمة فرض الاجماع على التنوع والتعددية، وتكفي نظرة سريعة لما آلت اليه اوضاع الدول التي تدخلت في صميم الحريات الفردية للدلالة على هذا الاستنتاج اضافة طبعا الى الاوضاع التي ما زالت الدول الحائرة بين اطلاق الحريات وقمعها تعيشها,,, وآخر ما كانت ايران تحتاجه اليوم هو ان يضع نظامها المنتخب نفسه في موقع النقيض للغالبية.,,, هل نسينا ميشال كيلو؟ ابدا، هو جزء من كل ما ذكرنا، وضحية بارزة من ضحايا «الزي الموحد» الذي تحاول اجهزة الامن في سورية فرضه على المفكرين واصحاب الرأي والناشطين الحقوقيين، وايضا فإن آخر ما تحتاجه سورية اليوم هو ان يضع نظامها نفسه في موقع النقيض للحريات.