بعد إطلاق فرقعة اتهام حركة حماس بتهريب أسلحة إلى الأردن، لاستهداف شخصيات ومواقع حيوية فيه، فإن المرء لا يستطيع أن يخفي دهشته من تردي مستوى التلفيق والتدليس في العالم العربي. ذلك أننا في حالات عدة ألفنا مثل هذه الممارسات، وحين لم نكن نملك لها صداً، فإننا صرنا نفضل أن تتم بكفاءة تعبر عن التمكن من التقنية والاحتراف، وليس بأسلوب بدائي يخلو من أي إتقان، ولا أقول، إبداع.

في مصر مثلاً هناك مشكلة متفجرة في الوقت الراهن بين القضاة والسلطة، سببها تمسك نادي القضاة المنتخب والممثل الشرعي الوحيد لهم، بمطلبين أساسيين هما: إصدار قانون استقلال السلطة القضائية، والتحقيق في ما تردد عن وقائع تزوير للانتخابات التشريعية التي يفترض أنها تمت تحت إشراف القضاء، وإزاء التراخي في الاستجابة للمطلبين، قرر القضاة الاحتجاج، ثم الاعتصام في ناديهم، الأمر الذي أغضب السلطة، التي استخدمت أساليب عدة لردعهم وقمع مؤيديهم. وفي إطار الردع جرى تقديم اثنين من كبار مستشاري النقض إلى مجلس للتأديب، يملك سلطة عزلهما من وظائفهما، كما جرى التحقيق مع ستة آخرين من كبار القضاة بتهم عدة تبعث على الضحك والرثاء، أما عملية القمع، التي تضمنت مشهداً لضرب أحد القضاة وسحله في الشارع، غير مشاهد أخرى أدت إلى اعتقال المئات، بينهم ثلاث أو أربع فتيات، وإلى استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، التي لم تستثن الصحفيين والصحفيات الذين ذهبوا لتغطية المظاهرات، ذلك كله نشرت الصحف ووكالات الأنباء العالمية تفاصيله، مدعمة بالصور التي نقلت انطباعاً سلبياً للغاية للحاصل في مصر، التي لا يكف خطابها السياسي عن الإشادة بتقدم مسيرة الإصلاح السياسي.

ما أثار دهشة كثيرين ـ وأنا منهم ـ أن السلطة دخلت في مواجهة غير مبررة مع القضاة، وأنها استخدمت ضدهم أساليب لم تكن مضطرة إليها، أما الأكثر مدعاة للدهشة فهو إصرار المتحدثين باسم السلطة على أنها ليست طرفاً في الموضوع، وأن المشكلة هي بين القضاة وبعضهم البعض! علما بأن أي تلميذ صغير في المرحلة الابتدائية يمكن أن يدرك بمجرد مطالعة الصور أن السلطة بأرتالها العسكرية الجرارة التي احتلت قلب القاهرة، هي الطرف الآخر في المشكلة، وأن القضاة الذين وقفوا في صفها، هم في الأصل موظفون في الحكومة يأتمرون بأمرها، لذلك فإن السؤال الذي بات يشغلني لم يعد منصباً على أسباب عدم استجابة السلطة لطلبات القضاة المتواضعة، وإنما صرت أتساءل: لماذا تم إخراج مشهد الرفض بتلك الطريقة الرديئة، وأين الذكاء المعهود في إدارة العملية وحبك روايتها؟

الانطباع ذاته خرجت به أثناء قراءة كتاب عن تونس، ترجم مؤخراً من الفرنسية إلى العربية، وفيه تحدث مؤلفاه ـ وهما صحفيان فرنسيان ـ عن قصة طالب في الجامعة الفرنسية اسمه فيصل بركات، كان ناشطاً سياسياً ومن دعاة الحريات النقابية، الأمر الذي أدى إلى انخراطه في العمل السري ثم اعتقاله، وبعد الاعتقال بأسبوع أخبرت عائلته بأنه «مات في حادث سيارة»، غير أن تقرير المستشفى الذي نقل إليه، سجل في الشهادة الطبية أن الوفاة ناجمة عن إدخال جسم حاد في الشرج، وهو ما علق عليه المؤلفان بقولهما ـ من باب السخرية في الأغلب ـ أن تلك حالة نادرة في حوادث السير!

لا أعرف كيف فاتت المفارقة على الذين لفقوا قصة وفاة الشاب فيصل بركات، ولكن الذي لا شك فيه أن حدوثها على ذلك النحو دال على تردي مستوى الأداء المهني لدى رجال الأمن الذين باشروا العملية، حيث كان يتعين عليهم وهم محترفو مثل هذه الأعمال أن يقوموا بحبك القصة على نحو أفضل.

ما دعانا إلى الاستطراد في الموضوع، هو تلك القصة التي أطلقتها قبل أيام أجهزة الأمن الأردنية، وتحدثت فيها عن ضبط أسلحة ومتفجرات أدخلتها حركة حماس للقيام بأعمال تخريبية في المملكة، وهي القصة التي لا يستطيع أحد أن يصدقها، على الأقل في الظروف الراهنة، ولا أعرف كيف غاب ذلك عن جهاز الاستخبارات الأردنية، الذي نعرف جميعاً كفاءته العالية، وقدرته المشهودة على حبك مثل هذه القصص.

في السيناريو الرديء للقصة، أن حماس بعد حوالي عشرين عاماً من تأسيسها، وبعد أن عاشت قيادتها حيناً من الدهر في الأردن، بينما قواعدها ما زالت قوية هناك، وبعد أن أعلنت مراراً وأثبتت عملياً أن معركتها الوحيدة هي ضد الاحتلال الصهيوني فقط، وبعد أن ظلت يدها ممدودة للأردن في أعقاب إبعاد قادتها من عمان، بعد ذلك التاريخ الذي كانت فيه فصيلا مقاوما، هامش حركته أوسع بكثير، انتظرت حماس حتى وصلت إلى السلطة وضاقت خياراتها نسبياً، وأصبحت أكثر حذراً، بعد ذلك كله قررت أن تباشر التخريب في الأردن!

من آيات رداءة السيناريو الأخرى، أن عملية التخريب هذه اكتشفت قبل ساعات من وصول وزير الخارجية محمود الزهار إلى عمان، ووسط أجواء الحصار الخانق المضروب حول حكومة حماس إقليمياً ودولياً، وهي الأجواء التي يفترض أن تدفع حماس إلى التركيز على مد الجسور مع «الأشقاء» ـ وهم في الأردن أهل أيضاً وليسوا أشقاء فقط ـ وليس على نسف تلك الجسور واشتعال الحرائق وممارسة التخريب في قلب عمان.

لا يقولن قائل إن هناك أسلحة واعترافات وأشخاصا ظهروا في الصور ورآهم الجميع على شاشات التلفزيون، فالذي يصدق أن تلك أدلة تؤكد الإثبات في القصة لا يعيش في الزمن العربي، لأن أي طفل في المرحلة الابتدائية ـ أيضا ـ يعرف جيداً أن ذلك كله يمكن أن يحدث، من دون أن يكون لكل ما قيل أصل من الحقيقة، ومن دون أن تكون «للمضبوطات» صلة بالموضوع، فقد بات معلوماً للكافة أن أجهزة الأمن العربية قادرة على توفير كل هذه العناصر، من الاعترافات إلى المضبوطات لإثبات أي مؤامرة تريد السلطة «طبخها»، حتى إذا كانت محاولة لقلب نظام الحكم في كوستاريكا أو بوركينا فاسو.

من السخف الادعاء بأن حماس تريد القيام بأعمال تخريبية في الأردن، حتى أزعم بأنه إدعاء لا يستحق المناقشة من الأساس، وإذا لم يكن الأمر مجرد افتعال أريد به عدم استقبال الزهار في عمان، أو توفير حجة لإشراك الأردن في محاصرة حكومة حماس، فهو إما اختراق أريد به الوقيعة بين حماس والأردن، أو محاولة للوقيعة بين ما سمي بقيادات الخارج وقيادات الداخل في حركة حماس، وهي المحاولة التي حرصت على إنجاحها جهات عدة لها مصلحة في ذلك.

أما أحسن الفروض، أن تكون المحاولة قد تمت بالفعل قبل سنة أو اثنتين، وأن حماس أرادت أن تسرب أسلحة إلى الأرض المحتلة، وحاولت أن توصلها عبر الأردن، الأمر الذي يعني أن الأردن لم يكن مستهدفا، وأن المحاولة قديمة، قبل أن تشترك حماس في الانتخابات وتصل إلى السلطة، وفي حدود علمي فإن قيادة حماس (المتهمة) طلبت إرسال وفد إلى عمان لتحري الحقيقة في الادعاء، ولكن الطلب رفض، واستبدل بوفد يمثل السلطة، ضم عدداً من مسؤولي الأجهزة الأمنية والاستخبارات، الضالعة الآن في التحرش بحكومة حماس وجرها في مواجهة مسلحة، وهو وفد تستطيع أن تعرف سلفاً أين يقف وأين تكمن مصلحته في الوقت الراهن.

لقد عبرت في البداية عن الأسف لتدهور مستوى الحرفة لدى الأجهزة الأمنية في بعض الأقطار العربية، وهو أمر لا بد أن يقلقنا لأننا نظل بحاجة إلى أجهزة أمنية ذات مستوى رفيع في كل الأحوال، ولذلك فإنني أدعو إلى تحقيق موسع في الموضوع، يتجاوز مسألة تهريب أسلحة حماس إلى الأردن وبتجاهلها، ويركز بعد ذلك على الإجابة عن السؤالين التاليين:

لماذا تدهور مستوى الأداء المهني لأجهزة الأمن، بحيث لم تعد قادرة حتى على التلفيق الجيد الخالي من الثغرات التي تفضحه؟

لماذا ساء تقدير تلك الأجهزة حتى أصبحت تفترض في الناس البلاهة والغباء، وتصورت أنها يمكن أن تمرر عليهم قصص التلفيق الخائبة التي تنسجها؟

اللهم إنا لا نسألك رد البلاء، ولكننا نسألك اللطف فيه.