عبد اللطيف مهنا

أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1780... القرار الأغرب، غير المسبوق، بل السابقة في تاريخ هذه المؤسسة الدولية... هذه المؤسسة التي باتت مع الأيام، وفي ظل انعدام التوازن الراهن في السياسة الدولية، أو في ظل التفرد الأمريكي بقرار العالم، تفاجئ نفسها قبل أن تفاجئنا... القرار المشار إليه، إذ لا يلقي بالاً لكون مضمونه يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، والمتعلق منه بما كان يعرف بسيادات الدول الأعضاء فيها، لجهة التدخّل المباشر في شأن ثنائي، مثل ترسيم الحدود بين دولتين جارتين، أو تبادل السفارات، أو إقامة أو قطع أو إعادة العلاقات الديبلوماسية بينهما، ينحو كعادة قرارات عديدة سبقته، لا سيما ما يتعلق منها بالمسائل العربية، والموضوع اللبناني تحديداًُ، منحى مراوغاً، أو متدرجاً، أو قل استباقياً بامتياز، حيث يشتم منه أنه إنما يمهّد لما قد يلحقه من قرارات مضمرة أو مبيتة عادةً... القرار كان من المتوقع له، ونظراً للمعارضتين الروسية والصينية أن يصدر من طبيعةٍ رئاسية، بيد أنه صدر، كما هو حاله الآن، كاستجابة مفروضة، وبعد مساومات شاقةٍ، للضغوط الأمريكية المعزرة بالمساعي الحثيثة المساعدة لها: الفرنسية والبريطانية... وإجمالاً صدر كما صدر نزولاً عند إصرار مندوب الولايات المتحدة الأمريكية، أو مندوبها السامي في مجلس الأمن، الغني عن التعريف، السفير جون بولتون...

القرار العتيد تجنب اللجوء للبند السابع، أو هراوة ما يدعى "المجتمع الدولي"، التي سريعاً ما تشهر هذه الأيام في مجلس الأمن، فاتخذ بديلاً عنها، توخياً لتفادي العرقلة، أو التفافاً على المعارضتين المذكورتين، أسلوباً مداوراً، أو ما سبق وأن وصفناه بالمراوغ المتدرج الممهد لما قد يلحق... القرار: يشجع، ويناشد، ويتمنى، ولا يلزم، ولا يحدد مهلاً زمانية لتنفيذه، بحيث اعتبره البعض انتصاراً شكلياً للمندوب بولتون ومساعديه الفرنسي والبريطاني، وإن أتى خارج هذا البند السابع المرغوب، لا سيما وقد حصد ثلاثة عشر صوتاً موافقاً في المجلس مقابل الصوتين الممتنعين عن التصويت الاثنين، انسجاماً مع مصالحهما، الروسي والصيني. بيد أن القرار بشكله النهائي المقر قد خدم مبدئياً ما هدف إليه الساعون لإقراره، فهو إلى جانب تمهيده لما قد يلحقه من قرارات قد تكون منشودة بالنسبة لهم، دق بامتياز أسفيناً إضافياً بين القطرين العربيين الشقيقين، إذ يقول بولتون معلقاً على منجزه هذا: أن الخطوة التالية مرتبطة بالتشاور مع الحكومة اللبنانية!!!

كلام بولتون هذا يزداد أهميةً إذا ما ربطناه بالتقاط صاحبه السريع، وقبل استصدار القرار، لما سبق وأن كان قد طرحه رئيس الوزراء اللبناني أمام مجلس الأمن، إبان رحلته الأمريكية الأخيرة، التي حفلت بترحيب زائد عن المعتاد، شكلياً على الأقل، في واشنطن، عندما تحدث عن العلاقات اللبنانية السورية، معرجاً على وجوب ترسيم الحدود وتبادل السفارات... وإذا ما ربطناه بحكاية تكريم بولتون لبنانياً، حيث قطع، كما هو معروف، مندوبون عما يعرف بقوى "الأكثرية" اللبنانية، المحيطات ليمنحوا المندوب الأمريكي إياه، الأكثر إثارة للجدل دولياً، أو الأكثر عدائية في تاريخ الديبلوماسية الأمريكية، والأكثر عدوانية تجاه القضايا العربية والإسلامية، بل القضايا العالم ثالثية إجمالاً... الأكثر حماسة للسياسة الإسرائيلية أو الاستهدافات الاستراتيجية الصهيونية... درع الأرز، تقديراً لجهوده الفذة في هذه المجالات جميعاً... تكريم من قبل أولئك الحاملين في لبنان يافطة ما عرف ب"انتفاضة الأرز"! لكن الأهم، الأهم، هو ربط ما قاله بولتون بعيد استصدار القرار إياه، باستهدافات السياسة الأمريكية إجمالاًُ في المنطقة، تلك السياسة التي كرّمها المكرمون، عندما كرّموا شخص موظفٍ مهمته أن ينفذها في المحفل الدولي لا أكثر ولا أقل!

لا يمكن فصل القرار المراوغ المتدرج الممهد لما قد يلحقه من قرارات عن ما يجري من تعثر في عموم المنطقة للمشروع الأمريكي فيها... عن الورطة الأمريكية في العراق، عن ما يجري في فلسطين ما بعد انتخابات تشريعي سلطة الحكم الذاتي الإداري، عن الملف النووي الإيراني... عن الحرب على الممانعة التي يواجهها هذا المشروع تحت مسميات متبدلة، منها، نشر الديمقراطية و"الحرب على الإرهاب"! كما لا يمكن فهم هذا القرار دونما وضعه في سياق فشل الجزء الذي يخص هذا المشروع في لبنان... دونما النظر إليه كحلقة من حلقات الضغط على سوريا لثنيها عن مواقفها المعلنة من كل تلك الملفات... القرار يعيد لمن يهمه الأمر اكتشاف المكتشف في هذه الحقبة الكونية فاقده التوازن في السياسة الدولية، أي ما يذكر بأن مجلس الأمن لا زال أداةً في يد السياسة الخارجية الأمريكية، تلك التي ينفذها في أروقته المكرّم أرزياً جون بولتون!

وعليه، وصفت موسكو القرار 1680 بأنه متسرّع ولا يساعد على تطبيع العلاقات بين البلدين (سوريا ولبنان)، ولذا، قالت: وعليه، لقد امتنعنا نحن والصين عن التصويت... ونقلت وكالة أنباء نوفوستي عن مصادر في الخارجية الروسية ما يلي:

"ترى موسكو وبيكين أن دمشق نفذت جميع الالتزامات المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي السابق الذي حمل الرقم 1559 والصادر في الثاني من سبتمبر 2004 حول سحب القوات السورية من الأراضي اللبنانية، كما ترى روسياوالصين أن لا داعي لأي ضغوط خارجية لتسوية العلاقات بين البلدين الجارين"...

في الكلام الروسي، الذي يتحدث عن نفسه بالأصالة، وبالوكالة عن الصين، لهجة أعلى مما اعتدناه، لكنه أيضاً، من حيث ما طبق فعلاً أو قد يطبق منه إزاء قرارات أخرى مستقبلية، يعد منسجماً مع مصالحهما، وكان الامتناع عن التصويت منسجماً معها... لكنه يؤشر ضمناً على إدراك الدولتين لما كان يريده منه جون بولتون، القائل ذات يوم:

"لو كنت أعيد تركيب مجلس الأمن اليوم لكنت أبقيت عضواً دائماً واحداً، لأن ذلك هو الانعكاس الحقيقي لتوزيع القوة في العالم"! ...يؤشر على أن هذا الذي ينفذ سياسة بلاده في هذه الهيئة الدولية، يريدها أزمةً لبنانية سورية مفتوحة تخدم الاستراتيجية الأمريكية الأشمل في المنطقة، وما يتعلق بها من السياسات المترتبة عليها تجاه كل تلك الملفات التي أشرنا إليها...

وعليه، أن من كرّم السياسة الأمريكية الكونية عبر تكريم من مهمته تقتصر على أن ينفذها لا أكثر، يكرّم في شخصه ما يلي: مشروعاً للحرب الأهلية اللبنانية أولاً، وعدواناً مبيتاً على سوريا انطلاقاً من لبنان ثانياً، أو على الأقل ضغوطاً هائلة تستهدف ابتزازها وثنيها عن مواقفها المعلنة من الملفات إياها، أو على الأقل، إضعاف ممانعتها في وجه تلك الضغوطات...

هذا في الشأنين اللبناني والسوري، وفيما يتعداهما، كرّم المكرِّمون في شخص بولتون مساراً عدوانياً استباقياً تجلّى في إسقاط الدولة العراقية، وتدمير كافة الأسس التي قامت عليها، ومجّد مدبري هذه المذبحة اليومية التي تشهدها بلاد الرافدين تحت الاحتلال، وكل ما يدبر علناً ويخطط سراً لتفتيت بلدٍ يعد واحداً من أهم ركائز النهوض القومي العربي المأمول... يكرِّمون مخططات محاصرة الشعب الفلسطيني وتجويعه وإذلاله لكسر إرادته وفل مقاومته، ومسارات محاولات الإجهاز على وجوده الوطني بالإجهاز على قضيته، بل تصفية هذا الوجود سياسياً وجسدياً عبر تهويد ما تبقى من أرضه المستباحة... يكرمون "خطة الانطواء" الأولمرتية التي سيناقشها صاحبها مع حلفائه قريباً في البيت الأبيض... محاصرة المشروع النووي الإيراني... الحرب على الإسلام التي تدار تحت يافطة "الحرب على الإرهاب"... يكرمون العبث بأطراف السودان، وتغذية الاحتراب المزمن في الصومال... أي كل تلك الاستهدافات ذات الأصول الصهيونية قبل الأمريكية، التي ينوب عن إسرائيل في تحقيقها ما يطلق عليه "المجتمع الدولي"، الذي يمكن اختصاره اليوم في المندوب السامي الأمريكي في مجلس الأمن... هذا الذي قال يوماً رأيه سلفاً فيما انتدب لاحقاً ليمثل بلاده فيها: "ليس هناك شيء اسمه الأمم المتحدة، وإذا فقد مبنى الأمانة العامة في نيويورك عشرة طوابق، فلن يغير ذلك من الأمر شيئاً"! ...الرجل الذي يقول عنه شاهد من أهله، هو كولن باول وزير خارجية بلاده السابق، في تعقيب على اقتراح قرار تعيينه في منصبه الراهن:

"إن تعيينه يشبه تعيين مولع بالحرائق للإشراف على مصنع للمفرقعات"!!!

لكن، لا تنسوا، أن المولع بالحرائق هذا، هو مجرد موظف منفذ لسياسات بلاده فحسب... أي مشعلتها، أو ما هي بصدد إشعالها مستقبلاً في أربع جهات الأرض... الأرض التي غدت وبحق، وبفضل هذه السياسات، مشاريعاً مساقبليةً لمصانع كونية للمفرقعات!!!