لولا الحرب في العراق لكان مصطلح "الاحتلال المباشر" غاب عن الساحة الذهنية .. لكن هذه الحرب أعادة كافة الدول لدائرة النار. لكن هذه الحرب من جهة أخرى رسمت جملة من الموازين داخل الجغرافية السياسية للدول التي تصنف دوليا "النامية" أو "العالم الثالث". فالحرب أثبتت بشكل واضح أن المعادلة الداخلية، أو القوى الاجتماعية، عاجزة عن إحداث تغير على مستوى السياسة العامة. حيث بقيت القوى السياسية العراقية في الداخل غير قادرة على تبديل شكل الحكم، رغم الانتقادات الكثيرة حوله.

الولايات المتحدة في احتلالها للعراق استخدمت معادلة سياسية جديدة، فجمعت القوى العراقية الخارجية، ياستثناء الأكراد، على قانون سنته وطبقته بنفسها .. قانون تحرير العراق.

المهم في الصورة التي كونها الحرب الأخيرة أن المعادلة الداخلية هي الأضعف في التحكم بسياسة البلاد، وذلك على عكس ما حدث في يوغوسلافيا، فالحرب لم تكن احتلالا، رغم انها في النهاية حرب، لكنها فسحت للقوى الداخلية التعامل مع المستجد وإيجاد آلية لحكم البلاد.

في العراق كان الوضع مقلوبا رأسا على عقب، فـ"التحالف" بعد ان ضرب مؤسسات الدولة، قام بصياغة كافة الترتيبات بما فيها الانتخابات، ولسنا هنا بصدد إيجاد فوارق بين يوغوسلافيا والعراق، لكن من المهم إعادة النظر في المعادلة الداخلية لدول المنطقة، وفي قراءتها إذا أردنا بالفعل أن تكون الإرادة الداخلية هي الأقوى. المعادلة الداخلية ليست سياسية بالضرورة .. لأنها نتاج المجتمع وثقافته .. والمعادلة الداخلية لا تنبني فقط على الأحزاب السياسية، فهناك الكثير من المعطيات التي تتجاوز الأحزاب تشكل قوى فاعلة. وإذا أردنا بالفعل خوض "مواجهة" مع العصر، فربما علينا معرفة السبب في تشكل الضعف وكأنه القدر. فالمسألة تبدو أحيانا على سياق ثقافي ... فعندما نجد أنفسنا أمام دوائر مغلقة من الضعف أو حتى تكرار التجارب فإن المسألة تبدأ بتجاوز الكثير من الوقائع ... والانفتاح على مساحة من الغد الذي لا يمكن أن يتحرر إلا بـ"المعادلة" الإبداعية من الداخل أولا وأخير.