ضيا اسكندر

نظرتْ إلى ابنتها (حنين) الراقدة إلى جوارها على (الصوفة) وبدأت تتأملها بأسى وقلبها يقطر كمداً وقهراً. نزعت (الشكلة) بهدوء من شعر هذه (السنفورة) كما يسميها والدها, لئلا تزعجها أثناء تقلبها فتوقظها. وبدأت تمسح لها شعرها وخدّها بحزن نبيّ وهو يتضرّع إلى الله مستجيراً من ظلم الطغاة. طفرتْ دمعةٌ عجلى من عينيها وسقطتْ على شفتي ابنتها, فمدّت حنين لسانها وبدأت تتلمظها, واســـتفاقت على الطعم المالح. نظرت بدهشة إلى أمها التي سارعت بمسح ما تبقى من دموع في عينيها:

- ماما! أنتِ تبكي؟!
- لا يا ماما... فقط عيناي تؤلماني قليلاً...
- (فركت عينيها طاردةً النعاس) هل عاد بابا...؟
- .........!!! (ماذا تقول لها؟ هل تخبرها بأنه قد لا يعود إلا وقد صارت صبية...! هذا إذا عاد حياً... وطفقت تعبث بشعرها وتفرده إلى خصلات متساوية... متشاغلة عن سؤالها)
- ماما! اشتقت إلى بابا... هل ستطول غيبته؟
- نامي يا حبيبتي.. بابا بخير وسيعود بإذن الله, لكن هذه المرة قد تطول سفرته نوعاً ما..
- أنا زعلانة من بابا... لماذا لم يودّعني؟

- عندما سافر كنتِ نائمة يا حبيبتي..
- طيب ماما! لماذا تاتا وجدّو وعمّتو يبكون على بابا منذ البارحة وهم يرددون (الله يظلم اللي ظلمه؟!!)
-  حنين, حبيبتي! إنهم يدعون على الفقر الذي جعل والدك يسافر...
- هل تعلمين يا ماما! خالو (عبد الله) جاء اليوم إلى غرفة بابا وأخذ كل الكتب التي كان يقرأها ووضعها بحقيبة وذهب..! تصوري ماما! لم يكلمني ولا كلمة! أنا زعلانة من خالو...
-  بسيطة حبيبتي! قد يكون في عجلة من أمره... خالك يحبك كثيراً...
- هل تعلمين ماما؟! رفيقي حمودة قال لي أنه رأى بابا البارحة وهو يركب بسيارة بيضاء طويلة وكان أحد ركاب السيارة معه بارودة مثل بارودة أخي فادي, بس أكبر منها بشْوّية..! وأن السيارة انطلقت بسرعة مثل أفلام الكرتون ، والله العظيم يا ماما!!
- أيه حبيبتي! لقد كان أبوك مستعجلاً على السفر..
- ماما! هل سيجلب لي معه لعبة (باربي)؟
- (بقدرات أسطورية تغالب الدمع المتحفز على المسيل) أكيد يا حبيبتي.. أكيد.

- هل تعلمين ماما!؟ لن أدع ابن جيراننا حمّودة يمسّها... اليوم رجوته أن يركّبني على دراجته لكنه رفض بحجة أنني لا أعرف السواقة..!
- سأشتري لك أول الشهر درّاجة وباربي...
- لا يا ماما... الباربي أريدها من البابا...
- تكرمي يا حياتي.. ولم تستطع مجاملتها والاستمرار معها بهذا الحوار. فضمتها إلى صدرها ونظرت باتجاه صورة زوجها المعلقة على الحائط. بينما ابنتها فقد كانت تدندن النشيد الذي تعلمته هذا الصباح بدار الحضانة, وكانت متلهفة لإسماع أبيها هذا النشيد من أجل الحصول على الخمس ليرات (مكافأتها اليومية) فأغمضت عينيها وبدأت تنشد: بابا بابا يـومك طابا دمْتَ ربيعاً دمت شـبابا بابا بابا