أبعد من القرار 1680 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، يُفترض في النظام السوري أن يكون أكثر وعياً واستيعاباً للسياق الذي يندرج فيه القرار وذلك من زاوية ضرورة المحافظة على سوريا وعلى الشعب السوري. يُفترض حصول ذلك لسبب في غاية البساطة يعود خصوصاً إلى أنّ النظام يعتبر أن ليس في الإمكان التمييز بينه وبين سوريا أو بينه وبين الشعب السوري.

ثمة فرصة لإثبات أن النظرية القائلة إنّه لا يمكن التمييز بين النظام وسوريا والشعب نظرية صحيحة. يكون ذلك عبر التصرّف بطريقة مختلفة لدى التعاطي مع القرار الجديد لمجلس الأمن. ما هي المشكلة في القرار؟. هل الدعوة إلى ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا جريمة؟ هل الدعوة إلى تبادل التمثيل الديبلوماسي بينهما جريمة أكبر؟ أين في العالم دولة تعترف بدولة أخرى وترفض ترسيم الحدود أو تبادل التمثيل الديبلوماسي معها؟.

تشكّل الطريقة التي ردت بها الخارجية السورية على صدور القرار 1680 فضيحة لا أكثر ولا أقلّ. لقد تفوّق نائب وزير الخارجية الجديد في استخدامه للغة الخشبية التي عفا عليها الزمن ومحاولته تزوير الواقع أو تجاوزه بكلام أقلّ ما يقال عنه إنّه فارغ، على وزير الخارجية السابق الذي وصف القرار 1559 لدى صدوره بأنّه "سخيف". هذا القرار الذي أدّى في فترة لاحقة إلى خروج الجيش السوري من لبنان. إذا كان القرار 1559 سخيفاً، ماذا إذاً عن القرارات الجدّية وما الذي يعتبره النظام السوري قرارات جدّية؟. ليس هناك لبناني حقيقي يؤمن ببلده وبالعروبة الصادقة يريد إلحاق أي أذى بسوريا أو بالشعب السوري الشقيق. ليس من مصلحة لبنان واللبنانيين أن يلحق أي أذى بسوريا. على العكس من ذلك إن سوريا القوية قوة للبنان، لكنّ على النظام في دمشق أن يتذكّر في الوقت ذاته أن لبنان القوي والمزدهر مصلحة سورية أيضاً.

من هذا المنطلق، كان الأفضل لدمشق الترحيب بالقرار 1680 وأن تتبع هذه الخطوة بالسعي الجدّي إلى تطبيقه بغية كسر الحلقة المفرغة التي أدخل النظام السوري نفسه فيها منذ اتخذ قراراً بالتمديد للرئيس إميل لحّود، مستخدماً التهديد والترهيب، خلافاً لإرادة الأكثرية الساحقة للشعب اللبناني. إن القرار 1680 في مصلحة سوريا ولبنان وهو مساهمة في بدء البحث عن مخرج من الأزمة الخطيرة التي تعاني منها العلاقات بين البلدين. والأكيد أن البديل من التجاوب مع القرار الجديد الصادر عن مجلس الأمن ليس اللغة التي استخدمتها الخارجية السورية التي حرصت على تحويل الهزيمة إلى انتصار، ولا يمكن أن يكون هذا البديل افتعال مشاكل مع الجيش اللبناني عبر استخدام بعض المرتزقة الذين يقبلون رفع السلاح في وجه الجندي اللبناني. فمن يقدم على مثل هذا العمل باسم فلسطين عميل لإسرائيل لا أكثر ولا أقلّ. إنه يساهم بوقاحة لا نظير لها في الإساءة إلى القضية الفلسطينية التي تمرّ حالياً بمرحلة من أدق المراحل في تاريخها.

قد يكون بعض اللبنانيين الذين يعلّقون على القرار 1680 منحازين ضدّ النظام السوري. ولكن هل يمكن لدولة مثل قطر صوّتت في مجلس الأمن مع القرار موقفاً عدائياً من سوريا شعباً وحكومة ونظاماً؟، لقد بذل المسؤولون القطريون في المرحلة التي تلت صدور القرار 1559 في أيلول من العام 2004 جهوداً كبيرة لدعم سوريا والدفاع عنها في كل المجالات والمحافل الدولية من منطلق أن أي هزة يمكن أن تتعرض لها تهدد الاستقرار في المنطقة. أوليس طبيعياً إذاً دعوة النظام السوري إلى التفكير ملياً في معنى التصويت القطري لمصلحة القرار؟.

انها دعوة صادقة إلى النظام السوري للتعاطي بجدية أكثر مع القرار 1680، خصوصاً أن امتناع روسيا والصين عن التصويت لا يعني أن الدولتين غير موافقتين على القرار. هل في دمشق من يريد أن يتذكّر أن السفير الروسي في بيروت لا يتردد عن الإعلان في كلّ مناسبة أن بلاده تؤيد التطبيق الكامل للقرار 1559 على الرغم من امتناعها عن التصويت لدى طرحه في مجلس الأمن.

مرة أخرى، ليس هناك من يريد الإساءة إلى سوريا أو السوريين ولا حتى إلى النظام السوري انطلاقاً من لبنان. هذا الأمر ليس وارداً خصوصاً أن اللبنانيين يعرفون حجم بلدهم وحجم قدراتهم، وهم يعرفون خصوصاً أنّ أي أذى يلحق بسوريا لا بدّ أن يرتدّ عليهم. لكنهم يعرفون أيضاً أن مشكلة النظام السوري مع قرارات مجلس الأمن تشبه إلى حدّ كبير المشكلة التى عانى منها النظام العراقي المخلوع مع سلسلة القرارات التي صدرت عن المجلس بعد ارتكابه جريمة احتلال الكويت. لم يدرك نظام صدّام حسين أن القرارات التي صدرت وقتذاك قرارات سياسية قبل أن تكون ذات طابع قانوني وأنه لا يمكن التعاطي معها إلاّ من الزاوية السياسية. هذا الخطأ في التقييم تكفل بإطاحة النظام. هل في استطاعة النظام السوري تدارك الخطأ الذي ذهب ضحيّته صدّام قبل فوات الأوان؟. ذلك وارد في حال أبدى بعض التعقّل في التعاطي مع القرار 1680.