أثارت مجموعة من «المثقفين» السوريين واللبنانيين، عاصفة سياسية جديدة، عندما وقعت وثيقة تطالب بتصحيح العلاقة السورية ـ اللبنانية وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين. ماذا لو أن هؤلاء لم يكونوا «مثقفين»؟ كأن يكونوا عمالا أو أطباء أو مهندسين؟ هل كان للوثيقة هذا الواقع، وللدولة السورية هذا الرد؟ من هم «المثقفون» أو «رجال النخبة»؟ من يحددهم؟ من «يصنفّهم»؟

استخدم تعبير «رجال النخبة» للمرة الأولى في فرنسا عندما أيدت مجموعة من الكتّاب، على رأسها اناتول فرانس، الضابط المتهم زوراً الفرد درايفوس العام 1898. ومنذ ذلك أصبح تعبير «المثقف» يعني أيضا الناشط سياسياً، وليس لمجرد أن يكون شاعرا أو كاتبا أو استاذا جامعيا. وظلت صفة «المثقفين»، على نحو ما، مترادفة مع الفرنسيين وشغفهم بالعمل السياسي. وكان البريطانيون يقولون عن أنفسهم إنهم «شعب من البقالين» الصغار، ليس بينهم «رجال نخبة». وكتب مرة أحد الهولنديين ان «ثمة عداء بين البريطانيين والعقل».

وفيما ازدهرت الفلسفة في فرنسا وإيطاليا ظلت يتيمة في بريطانيا، برغم وجود برتراند راسل في القرن العشرين. وفيما رحّب العالم بكتابات كولن ولسون، سخر منها البريطانيون. انهم شعب عملي لا يؤمن بالتجريد والتأمل الطويل مثل جيرانهم الفرنسيين. ويذهلني عندما أقرأ الصحف أو الكتب الفرنسية الآن عدد أولئك الذين يطلق عليهم لقب «فيلسوف» في سهولة فائقة. وقد نعى الاستاذ هاشم صالح، وهو بالمناسبة أحد أبرز «مثقفينا» اليوم، الكاتب الفرنسي جان فرنسوا ريفيل على انه «فيلسوف اليمين». لكن بتواضع ما عرفت وقرأت للرجل، اعتقد انه من غير الانصاف مقارنته بيسارية جان بول سارتر أو يمينية ريمون ارون. لقد بحث ريفيل لنفسه عن مكانة في ذلك السرب بعناء شديد. وأحيانا بسطحية شديدة.

جاء نعوم تشومسكي إلى بيروت محاضرا الاسبوع الماضي. وقد اكتسب في أميركا مرتبة «المثقف» أو «رجل النخبة»، خصوصا لأنه على يسار الأميركيين ومعترض دائم على مغامرات أميركا الخارجية وسياساتها حيال فلسطين. وفي فرنسا يسمى شبهه برنار هنري ليفي «فيلسوفا». وهي تسمية مبالغ فيها بقدر ما هي تسمية شعب شكسبير بـ«البقالين الصغار».