معاريف

بن كسبيت

عندما يصل ايهود اولمرت الى الولايات المتحدة، الى الامبراطورية الأميركية المتهاوية، سيجد هناك رئيسا أميركيا قلقا، مهانا وملاحقا. وأميركا غارقة في العراق كما كانت غارقة في فيتنام، وتدير حربا ضروساً لا معالم لها في افغانستان. وتبحث دون جدوى عن بن لادن، وهي مهددة من قبل الصين، وتحاول الصمود في ازمة حادة مع الروس، تحاول التعامل مع أسعار النفط المتسارعة، ولا تعرف ماذا ستفعل مع ايران. لا يمكن لاولمرت الآن اتهام أحد، فهو بيديه حفر هذه الحفرة، وهو نفسه قد قفز الى أعماقها، وهو نفسه الذي يغطي نفسه بتراب هذه الحفرة. جماعته تتحدث الآن عن امكانية تنفيذ "انطواء صغير وبأبعاد صغيرة" كما كانت عليه الخطة السابقة. وعن "انطواء أقل اثارة"، أي خطوة ثانية باتجاه محاولة النزول عن الشجرة العالية، وبعد قليل سيتضح له أنه "لا يوجد له أي شريك في العالم لهذا الانطواء الأحادي الجانب". بل على العكس، يجب أن نستمع في بعض الاحيان الى اشخاص آخرين. فالملك عبد الله، ملك الاردن، على سبيل المثال، وهو الحليف الوحيد الذي يمكن الوثوق به والاعتماد عليه في هذه المنطقة، الذي يقول لكل من يريد أن يستمع اليه "أنتم الاسرائيليون تُدمرونني، أنتم ستُدمرون مملكتي بهذا الانطواء الذي تريدون تنفيذه". اولمرت سيقول بأن "التسلح النووي الايراني يمثل خطرا على وجود وقيام دولة اسرائيل، وأن هذا يعتبر خطرا حقيقيا قائما". لكن عددا لا بأس به من كبار المسؤولين الأميركيين (والغربيين) يقولون إن اسرائيل كانت سببا في غرق وغوص أميركا في وحل العراق، وأنها هي التي دفعت أميركا الى تلك الحرب وحرضتها عليها، وأن اولمرت سيجد صعوبة كبيرة في تفسير موقف اسرائيل من ايران اذا كان هناك من بدأ يثير ويشير الى الدور الاسرائيلي في القرار الأميركي بشن الحرب على العراق. يوجد ما يشبه الموقف العام المشترك بين المسؤولين: فالرئيس بوش ليس مستعدا ولا قادرا على توجيه ضربة لايران، وأنه في أقلية بالنسبة لهذا القرار. وهو يعرف تماما أن أي ضربة لإيران سوف تتسبب في ارتفاع لهب الحرائق في كل آبار البترول في منطقة الخليج، وستكون سببا في إنزال "وجبة صواريخ" كافية على اسرائيل. وفي نهاية الأمر لن يكون هذا هو الذي سيوقفه، فالرئيس بوش مسيحي ـ حسب رؤيته الدينية ـ شخص متدين جدا، وله آراء واضحة للغاية في كل المسائل، وهو على عكس اولمرت الذي يعاني من مشاكل ضخمة، إلا أن فترة ولايته واضحة، فهو باقٍ حتى شهر كانون الاول 2009. يمكن الاعتقاد ـ هكذا تقول هذه الفئة القليلة نسبيا ـ أنه سيحاول خلال المدة الأخيرة من فترة ولايته أن يتخلص من مشكلة القنبلة الايرانية، وأن يرد على التحدي الاسلامي، "الحرب الدينية". لكن ضربة لإيران لن تكون شبيهة بتلك التي وُجهت فيما مضى للمفاعل العراقي. فلا يمكن وقف المسيرة النووية الايرانية بمجرد توجيه ضربة جوية لمرة واحدة. بل إن المسألة تحتاج الى معارك جوية متواصلة. بل الى تجمعا ومعسكرا محاربا، ولهذا الغرض لا بد من وجود دول عظمى. وهذه المهمة ـ وهذا صحيح حتى الآن ـ كبيرة جدا لكي تتمكن اسرائيل من تنفيذها. ويقول هؤلاء بأن هذه المهمة تحتاج الى أعداد كبيرة من الطائرات التي يجب أن تبقى في الجو لأيام طويلة، وتحلق متتابعة فوق اربعة مواقع ايرانية نووية أساسية. وتتطلب توفير واستعمال الكثير من القنابل القوية التي تستطيع النفاد الى الأعماق. ويلزم هواء للاستنشاق بين ضربة واخرى، لذلك لا بد من توفر حاملة طائرات، وطائرات لتزويد الوقود جوا، وقدرات عالمية كبيرة، فجميع هذه الاشياء موجودة فقط عند أميركا وحدها، التي ما زال جورج بوش رئيسها. اولمرت سيحاول طرح موضوع خطة الانطواء، لكنه سيفعل ذلك بحذر، وبشيء من الضبابية، فقد تباحثوا مطولا في القدس استعدادا للطريقة التي سيقوم فيها اولمرت بطرح موضوع الانطواء دون أن يغضب الادارة الأميركية. هو يستطيع التفسير، الطلب، ويمكن أن يحصل على شيء لأن بعضهم ما زال يتذكر ما سبق وأن نشر في السنة الماضية عن الاستعداد لمد يد العون لهذه الخطة، لكن الامور تغيرت الآن، ولا بد من التعامل معها والتجانس معها بالقدر المطلوب. في السنة المقبلة ستنتهي المدة التي سبق وأن طلبها رئيس الوزراء السابق نتنياهو من الادارة الأميركية في عام 1996، عندما طلب مساعدة أميركية لاسرائيل لعشر سنوات حتى تصبح اسرائيل قادرة على مواجهة متطلبات تطورها وتنفيذ خطتها. وهذه المساعدات التي تقل تدريجيا ستصل الى الصفر في نهاية العام القادم، والمقربين من اولمرت يهمسون في أذنه بأن الأميركيين قد يوافقون على أن يكون ثمن عدم تنفيذ الانطواء تجديد المساعدات المدنية (وليس العسكرية) التي ستنتهي خلال العام القادم، إلا أنه لا يوجد أحد يضمن قبول ذلك خصوصا في ظل ارتفاع معدلات الانفاق الأميركي في العراق وازدياد الالتزامات. كما أن اولمرت يأمل بالحصول على "رسالة ما" قد تكون ذات علاقة بموضوع مستقبل حل مشكلة اللاجئين، التي يأمل اولمرت أن توافق الادارة الأميركية (ادارة بوش) على أن يكون حل هذه المشكلة "داخل الدولة الفلسطينية في المناطق"، أو أن يطلب رفع مستوى الرسالة السابقة (الخاصة بالكتل الاستيطانية عام 2004) التي سبق للرئيس بوش أن أعطاها لرئيس الوزراء السابق شارون. كل هذه العبارات والأفكار ليست أكثر من أحلام يفكر بها بعضهم، ولكن يوجد موضوع أكثر أهمية لا يتطرق اليه أحد وهو "انهاء الاحتلال" أو بعبارة اخرى "انتهاء المسؤولية الاسرائيلية على غزة". فقد حاول شارون في حينه الحصول على رسالة بهذا المعنى، لكنه لم يحظ بها مطلقا، لكن اسرائيل عادت لتفكر بهذا الموضوع مجددا الآن، إلا أن الجميع يعرف بأنه اذا منحت الادارة الأميركية اسرائيل مكانة كهذه بالنسبة لغزة، فان الأمر سيشكل سابقة خطيرة لمستقبل الضفة الغربية، وليس من المؤكد أن هذا سيصمد من الناحية القانونية. اذا، لماذا تفكر اسرائيل بطلبات من هذا القبيل؟ اذا، لا شيء أكثر من محاولة اولمرت أن ينسج نوعا من العلاقة مع الرئيس بوش فقط، أي على طراز "اريك زائد" لأن اولمرت لا يملك أفضليات أكثر ما كان شارون يملكه، ومع ذلك فلماذا يأمل بأن يحقق ما لم يستطع شارون تحقيقه، وخصوصا في وقت أصبح فيه الرئيس الأميركي أكثر ضعفا مما كان عليه سابقا.