لا يمكن للعناوين العريضة أن تبقى على الحياد، فهي تجرفنا نحو استثارة العواطف حول التحقيقات دون عناء البحث، لأن الصحافة وظيفتها "البحث" و "التمحيص" وتركيب الحقائق على شاكلة أعمدة تدمر التي بلي الزمان وبقيت منتصبة. والصحافة حتما تملك "العاطفة" والقدرة على بناء الهياكل، وتتجرد أيضا من مشاعرها في لحظة الصراع مع "المصالح" ... لكن الصور التي لا تتكرر هي "الطاقة" الإعلامية التي تستمر دون رصيد داخلي ... أهلي ... أو بأقل الحسابات "مجتمعي". فعندما نبكي مع الكلمات نشعر بأن الإجراءات "الحكومية" بلا مشاعر لأنها قادرة على تنفيذ خططها على حساب "أبطال" التحقيقات الصحفية الذين يظهرون غالبا بألقابهم وربما بلهجتهم العامية.

ولا نملك مشكلة مع التحقيق أو التحليل أو الخبر داخل الصحف الإلكترونية والمكتوبة، ولا حتى مع الرواية التي ترسم على عجل أمام شاشات الكومبيوتر، لأن القضية بالنسبة لنا هي وصول القصة إلى داخلنا مع "شبه" حقيقة والخبر "نصف" مؤكد ... والتحليل مكتوب على طريقة: "لماذا لا يفكرون مثلنا!" ... فالمسألة أن الصحافة جهاز متكامل مع عواطفه وقدرته على "الإثارة" المقطوعة ... التي ننساها في منتصف الطريق، بينما تحملنا أفلام الإثارة على طراز هوليود نحو سحب الأنفاس واستهلاك أعصابنا حتى النهاية ... لذلك نفضل اللون على الشخصيات المجهولة التي فقدت منازلها على سبيل المثال نتيجة إجراء حكومي بتوسيع طريق، ولا نستطيع الغرق بالردود الحكومية حول التحقيقات لأنها على عكس الأسلوب الصحفي تأتي باردة وتحاول تلخيص "الحقيقية" بأرقام الكتب والتعميمات الصادرة ... فأين المشكلة؟!! أو لماذا يريد البعض استثارة حميتنا على صفحات الإنترنيت بعد أن أدركنا سهولة بناء رواية سياسية أو اجتماعية؟!! أو الركض وراء خبر ينفيه مصدر آخر وننساه بعد لحظة من استنشاق دخان السيارات أو رؤية "القمامة" وهي تلقى بشكل عبثي داخل الأزقة.

مسألتنا أننا "مواطنون إعلاميون" قادرون مع انتهاء مدة الخبر أو التحقيق أو العمر التقديري للإصدار اليومي لصحيفة على طي ذاكرتنا والبدء من الجديد ... وبنفس الطريقة ينسى الجهاز الإعلامي أنه ليس ظاهرة عائمة في الهواء ... فهو مشدود على الحياة الاجتماعية، فإذا جابه الطريقة الاعتيادية في عدم الرغبة بالقراءة، أو الفشل في بناء الرأي العام، فلأنه مشدود للعواطف الجياشة المصنوعة من أوهام الروايات ... والإعلامي ليس صوتا فقط ... إنه جزء من آلية متكاملة ... وليس ذنبنا أننا "مواطنون إعلاميون" لأننا أدمنا السرعة التي يصوغ فيها الصحفيون صورة العالم على شاكلة "أبواق" السيارات أو "إشارات مورس" ..!!!