كم كان مستغربا أن يكون لمجرد بيان وقع عليه مثقفون سوريون ولبنانيون يقدم تصورا ورؤى عن العلاقة الثنائية، ذلك التشنج كله الرسمي والأمني في دمشق، التشنج الذي حصد نحو 12 ناشطا من الموقعين السوريين بعد مرور أسبوع واحد فقط على صدوره ونشره في الصحف, ان ذلك يعكس قيمة وأهمية الكلمة، لكنه يؤشر الى أن المشتغلين بها ما زالوا تحت الخوف.

والمفارقة أن الاعتقالات التي حصلت لم تكن على خلفية موقف عبر عنه أولئك المثقفون ازاء ملف داخلي أو مطالب لها علاقة بالديموقراطية والحريات، لقد كان بسبب ملف اقليمي وعلاقة بين سورية ودولة عربية شقيقة كانت حتى الأمس القريب «علاقة مميزة» لا تشوبها شائبة حسب الاعلام والتنظير الرسمي, ان ذلك يؤشر أيضا الى أن المجتمع المدني السوري ما زال ممنوعا من التفكير والعمل بالحيز السياسي، الا بما توافق مع الخط والرؤية الرسمية.

في هذا الصدد، وذات مرة صارحني صديق يعمل في مجال الكتابة الصحافية، اضافة لكونه شاعرا، أنني وكتابا وصحافيين سوريين آخرين، نكتب بمستويات مختلفة، وأحيانا تتغير الكتابة ومضمونها وجرأتها حسب المنبر أو الصحيفة، سواء اكانت محلية سورية أم عربية، لكن الأهم ما في ملاحظة الصديق، أن الغالبية من الزملاء الكتاب والصحافيين الذين يكتبون من داخل سورية بدوا في الفترة الأخيرة هزيلين في كتاباتهم.

هنا نود القول أن هذا ليس غريبا، وربما يبدو صادقا وأقرب الى الحقيقة، فنحن حقا لا نكتب بسوية واحدة، كذلك، فان مستوى الوضوح والنضج والصدق في طرائق معالجتنا وتناولنا لبعض القضايا والملفات السياسية أو الاجتماعية والثقافية والدينية تجعلنا نبدو كما لو أننا نلامس الحقيقة من بعيد، ولا ندخل في صلبها، ونخاف أن نكتب قناعاتنا، كما هي مجسدة على الورق.

وحقا، كلنا كتاب وصحافيون، نشترك في هذا، وأشدد على الذين يعيشون منا داخل سورية لا خارجها، فأولئك وبحكم عيشهم في مناخات ودول ديموقراطية، استفادوا من تلك البيئة كثيرا، وتصالحوا مع أنفسهم، لان الثقافة هناك تمقت النفاق والكذب والمجاملة، وقبل هذا وذاك كله، تسمح للجميع بالتعبير عن قناعاتهم السياسية والدينية بكل حرية، لان القوانين والدولة العلمانية تكفل ذلك، وذلك كله صار يستند لأرث ديموقراطي وليبرالي ضارب عميق,

هنا الحال مختلفة، لا بل الفجوة عميقة, أذكر أنني منذ أشهر هممت لأجري لقاء وحوارا صحافيا مع رئيس المكتب السياسي لحزب من أعرق الأحزاب السورية، هذا «الأمين» السبعيني أو ربما الثمانيني، والذي بالكاد يسمع، وحين دخلت الى منزله، أخبرني أنه لا يود اجراء الحوار، وأحب أن يقول ذلك لي مباشرة، وعندما سألته عن الأسباب، أخبرني بأنه لا يحبذ كتاباتي ولا يتفق مع بعض الآراء التي أطرحها في بعض المقالات، كما أنني حسب رأيه تطاولت كثيرا على أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وأخذت مرة رأيا لأحد المختلفين معه من الحزب ذاته؟,شربت القهوة في منزله، حاولت أن أشرح له أن أفكاري وقناعاتي حق لي، وأن أخذي رأيا لشخص آخر يختلف معه، يبقى طبيعيا في اطار عملي الصحافي، وأخبرته أنه باستطاعته أن يقول في حواري معه ما يشاء وأنا سأنقل ذلك بكل أمانة صحافية، لكن محاولاتي كلها باقناعه باءت بالفشل, وأنا نازل من منزله في المصعد الكهربائي قلت في نفسي هذه عينة «قيادية» صغيرة من الذين يحكموننا ويحددون خياراتنا السياسية والمجتمعية.

في السياق ذاته، كنت قد نشرت مرة مقالة في صحيفة «الرأي العام» الكويتية، تحدثت فيها عن التنامي الكبير للاسلاميين في مجتمعنا، وكيف أن السلطات السورية تسمح لهم بحرية النشاط والحركة في الوقت الذي تضيق ذرعا بمجموعة من العلمانيين والمثقفين وتمنع عليهم مجرد الاجتماع في «غرفة» اسمها «منتدى الأتاسي»، رغم أن هؤلاء المثقفين وعلى المدى البعيد يشبهون النظام، لناحية علمانيتهم، وهم يشكلون له ذخرا ورصيدا استراتيجيا في ما لو عرف كيف يتفاهم معهم ويعطيهم فرصة المشاركة, لكن اللافت أنني «أكلتها على الحدّين»، من الاسلاميين ومن السلطة، حين «حذرني» «الشيوخ» ومن يشبههم، من خلال مكالمة هاتفية لصديق يعيش في دولة خليجية أخبرني خلالها، أن مقالاتي تسبب استياء كبيرا في أوساط السوريين من رجال الدين في الخارج بسبب تناولي للموضوع الديني وبسبب نظرتي للاسلام والاسلاميين، كذلك استاءت السلطات مني لأنني كتبت أنه لا يعقل أن يسمحوا لعشرة آلاف مسجد باحتكار الهواء والشارع من دون أن يسمحوا لعشرة أو عشرين مثقفا بالاجتماع في «غرفة»؟

كلنا يعرف قصة «الخطوط الحمراء» الموضوعة أمام الصحافيين, وبصراحة كبيرة، فان أحدا لا يستطيع تحديد هذه الخطوط، على الصحافي والكاتب في سورية أن يكتشفها بنفسه ومن واقع خبرته وعلاقاته, كذلك، فان هذه الخطوط تضيق وتتسع حسب المشهد السياسي والظروف التي نعيشها ويعيشها نظامنا السياسي, في هذا الصدد، تناولت منذ فترة وجيزة من خلال الصحيفة «النهار» اللبنانية التي أراسلها، خبرا يتعلق بتنقلات قادة ومسؤولين أمنيين، فما كان من هؤلاء الا أن «استضافوني» في السجن مدة خمسة أيام، رغم أنني وغيري كثر من زملائي تناولوا مثل هذه المواضيع العام الماضي في سياق تنقلات وتغييرات أكبر، لكن وقتها لم يحاسب أحد ولم يسجن أي صحافي, هذا نموذج على أن الخط الأحمر بحاجة الى ضحاياه حتى يُعرف ويُكتشف من قبل الآخرين, في جميع الأحوال خرجت من السجن، ولم أبق سوى ايام قليلة، اذ وقف الى جانبي أصدقائي المراسلون, وثمة من تفهم «من فوق» أن ما كتبته لا يستأهل السجن والبهدلة خصوصا وأنني مجرد «صحافي» و«سجلي أبيض نظيف» أي خال من الانتماءات السياسية لأي من الأحزاب المعارضة، لتنتهي القصة بعزيمة أقامها أحد الأصدقاء، فنسيت كل ما حصل معي، وتسبّب حب زملائي لي بتنظيف ذاكرتي من أي حقد على أحد في الدولة سواء اكان مسؤولا أمنيا أم سياسيا, لكن ما حصل معي جعلني أفكر ألف مرة في الكلمة التي سأكتبها، والى اليوم ما زلت أسير هذه الحسابات، حسابات المسموح والممنوع والذي يرضي المسؤول والذي لايرضيه, طبعا، ليس جبنا أو خوفا، بل لأنني من النوع الذي لا أفضل «البطولة» على حساب جوع وربما تشرد أطفالي، وقبل ذلك لأنني لست زعيما سياسيا معارضا، بل مجرد صحافي وكاتب.

واليوم، نحن الصحافيين، حين نكتب موضوعا سياسيا، أو اقتصاديا، أو محليا له علاقة بمسؤول أو فساد، أو اي موضوع نشعر جميعا، كما لو أن هناك ألف رقيب ورقيب يجثم فوق صدورنا، يراقبنا، يجلس معنا، يختبئ في جهاز الكومبيوتر أو يتحرك بين رأس القلم وسطح الورقة, كلنا أو بعضنا يعرف ذلك، أو يحسه, لكننا، ولأن الكتابة بالنسبة الينا هوية، ووجود، ولقمة عيش، و لولاها لما كان هناك معنى لحياتنا، فنحن مضطرون للاستمرار، حتى لو بدت كتاباتنا بلا طعم و بلا رائحة أحيانا، كتابات تدور وتلف على الحقيقة، لكن على رغم ذلك، يبدو أفضل ألف مرة من التوقف والنهاية.

مسألة أخرى تزعجنا وتؤرقنا جميعا نحن الكتاب والصحافيين السوريين، وهي تتعلق بالظروف التي تضعنا فيها سلطاتنا ورقيبنا، اذ تجعلنا بسبب «خطوطها الحمر» الكثيرة، وقسوة عقوباتها ان قررت بحقنا ذلك، تجعلنا نبدو، هزيلين وأقل خبرة ومنزلة أمام أقراننا من الصحافيين اللبنانيين أو المصريين أو حتى الخليجيين، ومع ظروف العمل هذه تبدو سورية، كما لو أنها قلعة وسجن كبير، ان ذلك لا يليق حقا ببلدنا وارثه الحضاري على حد تعبير الشاعر السوري أدونيس، ولا يليق بسلطات تتحدث عن اصرارها على الاستمرار في التحديث والتطوير رغم الضغوطات كلها. كل ما نحتاجه اليوم قوانين وأعرافاً جديدة تزيل اسباب الخوف عندنا، عندما نفكر ونكتب ونتكلم, ان ذلك يجدد من شباب سورية ويجعلها أجمل.