سورية الغد

أليس غريبا أن يذكرنا كاظم الساهر اليوم بنزار قباني ولكن مع فارق "بسيط" .. فبالأمس كان نزار يحكي معاناة بيروت، واليوم كاظم الساهر يغني بغداد .. والصورة ليست شعرية بقدر ما تقدمه من صياغة تاريخية .. فنزار يريد الحب بعيدا عن المدينة التي شبعت الموت .. بيروت .. وكاظم يسعى لنفس الوضعية، ولكن في بغداد.. بيروت .. بغداد .. دمشق .. عمان والقدس .. هذه المدن التي تسكن مستقبلنا، وتحمل في نفس الوقت قوة التاريخ الذي صنعناه، ويصنعنا ايضا، تتراكم اقدارها اليوم في عجلة من الأحداث، ثم نبحث عن أفق للمستقبل .. ونجده .. هذا هو الأمل والحلم في نفس الوقت، وهذا هو المستقبل الذي نراه رغم التطرف والعنف وربما انعدام الثقة ..

ما حدث منذ اكثر من ستة عقود يمكن ان ينسينا أحلام التبدل وعنفوان الشعارات، لكن على الأقل عليه أن يدفعنا لقراءة المستقبل، لأن الآلية السياسية اليوم تضعنا وسطى فوضى عارمة، وتجزؤ احلامنا إلى مهام صغيرة تعني من غياب المحطة النهائية. بيروت ودمشق وبغداد وعمان .. والصورة ليست شعرا بل استحقاق يضع المنطقة كلها أما وضعية التغير المحتملة، فما يعنيه الشرق الأوسط الكبير هو قسر للتاريخ إذا بقيت مجتمعاتنا حالمة بالتراث، وبقدرة خطباء المساجد على كيل الدعاء ضد العداء، آملين قطع نسلهم وغرق حرثهم، وداعين الله والملائكة للهبوط إلى المعركة المصيرية. والشرق الأوسط الكبير هو تحرير إرادتنا إذا استطعنا بالفعل معرفة ماذا نريده من المستقبل .. فليس المهم ان يكون هذا المشروع أمريكيا أو اوروبيا .. بل مهم إدراك أن المستقبل لن ينتظرنا وعلينا اقتحامه سواء بمشروع الشرق الأوسط الكبير، كما نفهمه بالطبع، أو بأي صيغة أخرى تشعرنا بان المستقبل لنا. الشرق الأوسط سواء كان كبيرا أو صغيرا فإنه سيبقي المدن الأسيرة في الذاكرة حالمة بأجيال قادرة على فهم المستقبل كما تريده هي، وليس كما يرده التراثيون أو أصحاب الإرادات الكبيرة في واشنطن.