نـزار صبـاغ

صديق لي، غال بغلاوة الذهب في يد و جيد إمرأة فاتنة ، بغلاوة النفط في بورصات الشركات متعددة الجنسية وقت الأزمات السياسية ، بغلاوة تراب الوطن لدى عاشق للوطن ... هذا الصديق ، يكتب قليلاً من الخاطرات ، بأسلوب ظريف خفيف وناعم ، آسر بكلماته ، بألفاظه ، وعذوبة وسلاسة تعابيره ، بمحبته للأرض التي عليها يعيش ، للحياة وللإنسان... وبعشقه للوطن الذي ولد ويعيش فيه، وينتمي ، ويحب أن يراه كما يسمع ... قوي ، متقدم ، مزهو بمواطنيه ..

صديق لا يسعى للحلم قدر سعيه لتحقيق الواقع الذي يسمع ضمن تصريحات المسؤولين ، من وزراء وقياديين محليين ... وما يقرأ في الصحافة ، من محلية ومركزية ، وما يسمع في القنوات التلفازية الوطنية من أرضية وفضائية ... إنه صديق عاشق للوطن . قلت ، كتب صديقي بعض الخاطرات ، لكنها لم تبق خبراً على ورق ، فقد نشرت إحدى الصحف المحلية في مدينته ضمن الوطن بعضها ، فاستمر في بث ما يشعر بأنه صواب وصحيح من نقد ناعم ، وتحفيز للعمل متواصل ، ودعوة للصدق في التعامل ، والمثابرة في العطاء وتقديم الخدمات والسمو بالوطن والبلاد ... إلى ما هنالك من خاطرات تهدف للمساعدة في نشر روح التفاؤل والمشاركة الحقيقية بين المواطنين عموماً من عاديين ومسؤولين ... في سبيل الوطن .

كتب خاطرة طريفة جميلة أقرأها للبعض من المحبين قبل إرسالها للنشر في " الصحيفة المحلية" ، فأرسلت إلى مواقع الكترونية تخاطفتها ونشرتها باسمه صراحة ، جراء أسلوبها وعذوبة ألفاظها و فكرتها المبدعة وما حملته من صدق وصراحة ...

لم تنشرها " الصحيفة المحلية" ، ولم تنشر غيرها من كتاباته ، فوجهت إليه أصابع اللوم من البعض الذي اشترك فيها لمتابعة كتاباته ، فاضطر صديقي لتسديدهم رسوم الاشتراك السنوي التي دفعوها ، بكل لطف ومودة وأسف واعتذار منهم لسبب اعتقد أنه لخطأ صدر منه .

حاول معرفة أسباب التوقف عن النشر من صاحب العلاقة بالذات ، "الجريدة المحلية " ، فأبلغ – بكل مودة ولطف ومحبة - أنه قد تجاوز "الخطوط الحمر" وحتى "الزرق منها" ذلك لأنه أورد بعض التعابير التي تتعلق بالحكومة ، وقيل له أن ما كتبه يمكن أن يندرج تحت باب التشهير بالحكومة وهذا لا يجوز وخارج عن المألوف ، وأنه لا يمكن لأحد التشهير بأحد وحتى من يعتمد الكاريكاتور لتوجيه النقد ، إلا للجهات الخارجية ...

وصديقي حنون عطوف بريء مسكين ، فأجاب : لكن الصحف المركزية تكتب عن الوزراء وعن بعض حالات الفساد، والسيد رئيس مجلس الوزراء أدلى بتصريحات عدة نشرت في صحيفتين مركزيتين شهيرتين قال خلالهما ما يمكن أن يعتبر تشهيراً بالقضاء ، وبأساتذة الجامعات ، وحتى بالحكومة عندما أعلن أنه يتم تهريب كمية تقارب الملايين الثمانية من ليترات المازوت إلى الأراضي اللبنانية بشكل يومي ، وأن الفساد منتشر ، وأن .. وأن ، ولم يحصل له شيء ولم تقام عليه أية دعاوى بسبب التشهير ... فهل يجوز لرئيس الوزراء ، وللوزراء ، وللحكومة ، ما لا يجوز للمواطن ...؟

حاول صديقي بكل براءة ، أن يمارس حقه فيما يطلق عليه تعبير الحوار أو النقاش ، إيماناً منه بأن الصحافة - المحلية منها والمركزية – هي السلطة الرابعة كما يسمع في برامج تلفازية محلية متعددة ، وأنها تبرز الحق ، وتدعم أصحاب الأفكار المبدعة ، وتشد على أيادي الأغيار على مصلحة الوطن ، وتساند من يبرز الحقائق ويشير بصراحة إلى مكامن الفساد والأخطاء بحق الوطن ، وتمارس دورها في الرقابة الشعبية ، وفي نشر وتعميق القيم الوطنية ، وأنها ليست بصحافة عميلة أو مأجورة أو مأمورة كتلك الصحف الخارجية ذات الأفكار والمقالات المغرضة والتي تبث السموم بين أفراد الشعب ...

فأبلغ مجدداً – بكل مودة ولطف ومحبة – أنه قد تجاوز ، وأنه كان من الأفضل عدم نشر خاطرته تلك احتياطاً من لوم لائم قد يقوم بتصرفات تختلف جذرياً عن تصرفاتهم "كصحافة محلية" ... أسقط في يد صديقي ، شعر بضيق في التنفس ، وتعرق شديد ، وبحالة من الرهاب العصبي ، وبخاصة أنه تذكر ما تنشره "الصحف المحلية" خلال لقاءات المسؤولين مع المواطنين ، أو مع الجهات المتحالفة ضمن إطار الجبهة الوطنية التقدمية، وكيف أن أسطراً وصفحات تعدد الجمل التي تفوه بها أصحاب المعالي المسؤولين المحليين ومن ثم سطران أو أقل بقليل عن بعض من الاستفسارات التي تقدم بها البعض من الحاضرين والتي أجاب عليها أصحاب المعالي ، بكل صدر رحب .

لكنه وبقدرة قادر توجه إليهم بالسؤال قائلاً : طيب ، أبلغوني ما هي الحدود التي لا يمكن لي تجاوزها لكي لا أتعبكم معي مستقبلاً ؟ ... كان الجواب يا سادة يا كرام – وبابتسامة لا تشابهها ابتسامة الموناليزا - : يحتاج هذا الأمر إلى بعض المحاضرات ، والأفضل أن تعلمها جراء التجربة العملية ، تابع كتاباتك واقرأ كيفية نشرها ... فتتعلم ، ماذا تكتب ، أية تعابير ، أية كلمات ، أية أفكار ، أية محاورات ..... .............................. فتعلم صديقي أن يكتب كلماته ... بالألوان ، كما هي الخطوط ... درجات ، وألوان ، ومقامات .