تسيبي ليفني، الليكودية الشارونية المعتبرة على يمين ايهود أولمرت، تجتمع مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لتعلن بعد ذلك أن إسرائيل ترغب في مساعدة الشعب الفلسطيني اقتصادياً. في الوقت نفسه تبث تلفزيونات أميركية مقابلات مع أولمرت يركز فيها على أن «أبو مازن» رئيس فاقد سلطته لا يستطيع أن ينفذ المهمات التي حددتها إسرائيل لأي مسؤول فلسطيني، كي يستحق صفة «المحاور» أو «الشريك»، وخلاف ذلك فلا محاور ولا شريك. لكن أولمرت لم يذهب الى واشنطن ليبلغ «الأخ الأكبر» أنه يرغب في اطلاق مفاوضات لكنه لا يجد محاوراً فلسطينياً، ولم يذهب لإحياء «عملية السلام» لأنه يفتقر الى شريك. المعلوم أنه قصد جورج بوش ليحصل على دعمه في «خطة الانطواء» التي صممت أساساً لاستبعاد كل محاور أو شريك من الجانب الفلسطيني.

أما المساعدة الاقتصادية التي تلوح بها ليفني فهي مثل وجبة الطعام التي يقدمها القرصان الى رهائنه لابقائهم على قيد الحياة كي يتمكن من المساومة على اعناقهم، بعدما سلبهم كل شيء. لكنها، مع ذلك، تعبر عن مناخ المراجعة السقيمة التي اضطرت إسرائيل الى اجرائها، والى تشجيع القوى الدولية عليها أيضاً بعدما رضخت هذه للرغبات الإسرائيلية غداة فوز «حماس» في الانتخابات. فحتى رئيس الأركان الإسرائيلي دان حلوتس جاءه الإلهام فبات يرى أن محاصرة الفلسطينيين وزيادة الضغوط عليهم ستفاقمان التطرف والعنف. هذا كلام فيه عقلانية مفاجئة لم تكن متوفرة عند مخططي الجيش الإسرائيلي عندما قرروا معاقبة الشعب الفلسطيني لأنه صوّت عكس رغباتهم وتوقعاتهم.

على رغم أن حاخامات الإدارة الأميركية وأتباعهم في الاتحاد الأوروبي أدركوا أخيراً أنهم ارتكبوا خطيئة شنيعة، إلا أنهم لا يزالون مقتنعين - بيروقراطياً أو ايديولوجياً - بأنهم عندما اختاروا سياسة التجويع إنما فعلوا الصواب. فالسرعة التي قطعوا بها المساعدات، أي السرعة التي ارتكبوا بها الخطأ، لا يقابلها سوى التلكؤ والتردد في تصحيح الوضع. ومرة يعود اسم سيئ الذكر، بول ولفوفيتز، ليؤكد استمراره في محور الشر، ومن موقعه في رئاسة البنك الدولي يسهر على تنفيذ الوصايا الاسرائيلية لا بمساعدة الفلسطينيين اقتصادياً وانما يتكفل بإطالة فترة التجويع، ظناً منه ومن ليكوديي «كديما» و «العمل» أن الضغط والحصار سيأتيان بالثمن السياسي والأمني الذي يطلبه القراصنة لتحسين ظروف الاحتجاز لرهائنهم.

وما قد ينساه ولفوفيتز، وهو لا ينسى شيئاً، تتذكره جوقة الليكود في مجلس النواب الأميركي، اذ تقدمت بمشروع قرار وحصلت على موافقة الغالبية عليه كي تمنع الإدارة من تقديم أي مساعدة من أي نوع الى السلطة أو الى الشعب الفلسطينيين. صحيح أن القرار ليس ملزماً بعد، لكن من قال إن الادارة مندفعة الى مساعدات كهذه أو إنها بحاجة الى قرار اضافي. لكن الجوقة اياها وجدت فرصة للترحيب بأولمرت وفقاً لتقاليد الكراهية التي جربت مراراً وتكراراً، وأصبح معروفاً أنها مجرد وصفة لشحذ العداء الأميركي للعرب.

لا شك ان الفلسطينيين يريدون هذه المساعدات، لكنهم يحتاجون أكثر الى أن يسمعوا ويتأكدوا أن الادارة الأميركية لم تقدم مرة أخرى على بيع قضيتهم وحقوقهم لتاجر «الشنطة» الاسرائيلي الذي يزورها ليعرض آخر ما عنده من سموم. لن يموت الفلسطينيون جوعاً وقهراً، على رغم سياسة التجويع والحصار، لكنهم سيصابون باحباط عظيم آخر اذ يدركون ان جورج بوش بارك لايهود اولمرت سعيه الى تكريس سرقة أرضهم وحقوقهم، لمجرد ان أميركا منشغلة الآن بهموم أخرى في العراق وفي سواه، وليست لديها أفكار ولا مبادرات ولا رؤية ولا حتى «خريطة طريق» يمكن ان تنصف الفلسطينيين.

أقل ما سيقوله العرب والفلسطينيون في هذه الحال ان «حماس» على حق. فمن اعترف باسرائيل وفاوضها ووقّع معها اتفاقات ورفع شعار الاعتدال ونبذ العنف ما لبثت ان رذلته وتجاهلته وتوقفت عن اعتباره موجوداً، ومثلها فعلت اميركا. اذاً، فالدرس واضح ومتى تساوت الخيارات في الخسارة يبقى أفضلها عدم التنازل. هذه كانت رسالة الناخبين الفلسطينيين، لكنَّ أحداً في اسرائيل أو الولايات المتحدة لا يريد أن يرى أو يسمع أو يفهم.