الرأي العام

لم يتبنّ الرئيس جورج بوش، بالكامل المقترحات التي أتى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى واشنطن، أول من أمس، وإن امتدحها ووصفها بـ «الجريئة والبناءة», وفي حين كرر تأييده لموقف أولمرت المتمثل في أن حركة «حماس» التي تتولى السلطة الآن هي العقبة على طريق استئناف العملية السلمية، فإنه أعاد التأكيد على أن الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع سلطة فلسطينية تترأسها «حماس» إن لبت الأخيرة الشروط الأميركية والإسرائيلية المعهودة المتمثلة بالاعتراف بإسرائيل ونبذ الإرهاب والاعتراف بالاتفاقات السابقة, كما أن بوش حض اولمرت على إيجاد طريقة للتفاوض مع الفلسطينيين قبل فرض حلوله الأحادية عليهم، مشيرا إلى أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «رجل يريد السلام فعلا». من جهته، أعاد أولمرت طرح خطته المعروفة القائمة على تفكيك عدد كبير من المستوطنات الإسرائيلية الصغيرة في الضفة الغربية وتحديد حدود إسرائيل مع الفلسطينيين من طرف واحد إن لم يجد، كما قال، شريكا فلسطينيا للسلام خلال فترة لم يحددها, لكنه هو الآخر أعاد استعداده للتعامل مع حكومة ترأسها «حماس» إذا أوفت الأخيرة بالشروط الثلاثة التي حددها بوش, وأعرب عن مد يده للقاء عباس في موعد قريب وإن ألمح إلى عدم حيازة الأخيرة القوة اللازمة لإجراء مفاوضات وضع نهائي مع حكومته. وفي الشأن الإيراني، أعاد بوش التأكيد على أن الولايات المتحدة مستعدة لأن تهب لنجدة إسرائيل عسكريا إن تعرضت الأخيرة لهجوم إيراني. وكان بوش وأولمرت يتحدثان في مؤتمر صحافي مشترك عقداه في البيت الأبيض في وقت متقدم من مساء الثلاثاء بعد سلسلة لقاءات عقداها معا واستكملاها بعد المؤتمر الصحافي, كما كان أولمرت عقد لقاء ثنائيا آخر مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تباحثا خلاله في القضايا ذاتها, وهذه أول زيارة يقوم بها أولمرت لواشنطن كرئيس لوزراء إسرائيل بعد أن حقق حزبه «كاديما» الفوز في الانتخابات الأخيرة في مارس الماضي وشكل حكومته بالتحالف مع حزب العمل وأحزاب أخرى صغيرة، الشهر الماضي. واعلن بوش، الذي أكد أنه سيعقد اجتماعا آخر بعد المؤتمر الصحافي مع أولمرت في مسكنه الخاص في البيت الأبيض من دون مساعديهما، انه يريد أن يعرف المزيد عن أفكار رئيس الوزراء التي وصفها بأنها «جريئة وبناءة», لكنه أردف في الوقت نفسه، حاثا أولمرت على ضرورة التفاوض مع الفلسطينيين، بأن التوصل إلى حل للقضايا العالقة «عن طريق التفاوض إنما يخدم الإسرائيليين والفلسطينيين وقضية السلام» في شكل عام, وقال: «أعتقد، ورئيس الوزراء أولمرت يتفق معي، أن التوصل إلى اتفاقية حول الوضع النهائي عن طريق التفاوض يخدم على أفضل وجه ممكن المصالح الإسرائيلية والفلسطينية وقضية السلام على حد سواء». وأضاف أنه في حين أن «الاتفاق على الوضع النهائي لا يمكن التوصل إليه إلا على أساس الاتفاق المشترك وعدم الإجحاف مسبقا بنتيجة المفاوضات حول اتفاق الوضع النهائي، فإن أفكار رئيس الوزراء يمكن أن تكون خطوة مهمة نحو السلام الذي نؤيده كلانا». لكن بوش قال «إن حركة حماس هي التي تتزعم الحكومة الفلسطينية حاليا وهي منظمة تدعو إلى الإرهاب ولا تعترف بحق إسرائيل في البقاء», وأضاف أنه «ما من أحد يتوقع أن يتوصل بلد ما إلى عقد سلام مع أولئك الذين يرفضون الاعتراف بحقه في البقاء ويستخدمون الإرهاب لمهاجمة شعبه», لكنه أعاد تأكيد أنه إذا لبت «حماس» الشروط التي طرحها، فإن واشنطن والمجتمع الدولي، كما اوضح، ستكون مستعدة للتعامل معها. وحين وجه صحافي إسرائيلي سؤالا لبوش عما إذا كان سيؤيد خطة أولمرت التي تقضي بالإبقاء على كتل استيطانية ضخمة وعلى مساحات كبيرة من أرض الضفة بيد إسرائيل، بدا أن بوش يؤيد ذلك، مشيرا على الصحافي الإسرائيلي أن يقرأ الرسالتين اللتين كان منحهما لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون في العام 2004 وأعلن فيهما اتفاق واشنطن مع إسرائيل في قضيتين أساسيتين: ضرورة عدم السماح بعودة اللاجئين إلى إسرائيل؛ وعدم الضغط على إسرائيل للانسحاب من كتل استيطانية كبيرة في الضفة. أولمرت، من جهته، أعاد التأكيد على رفضه التعامل مع حكومة تترأسها «حماس»، كما أنه أعرب عن تشكيكه في أن يكون عباس يملك ما يكفي من السلطة أو القوة على الأرض للتفاوض مع إسرائيل على حل القضايا النهائية الخلافية معها, وهو بذلك قال إنه سيطبق خطته على الأرض ما لم تحدث معجزة لدى الطرف الآخر, وذكر إن نجاح «حماس» في انتخابات يناير «يقوض كثيرا» إمكانية قيام عملية حقيقية للسلام», إلا أنه مع ذلك اوضح انه ينوي «استنفاد كل وسيلة ممكنة لدفع عملية السلام مع الفلسطينيين طبقا لخريطة الطريق، وها أنا أمد يد السلام لمحمود عباس الرئيس المنتخب للسلطة الفلسطينية». وفي حين أنه وصف عباس في وقت لاحق بأنه رجل «مخلص»، فإنه أعرب عن أمله في أن يكون «يملك السلطة التي تمكنه من تلبية المتطلبات الضرورية للتفاوض بيننا وبين الفلسطينيين». لكن أولمرت قال، وربما للمرة الأولى منذ تشكيله حكومته، إن «حماس ستجد شريكا راغبا في السلام إذا هي اعترفت بحق إسرائيل في البقاء ونبذت الإرهاب وعملت على حل الجماعات الإرهابية», لكنه أضاف أن إسرائيل «لا تستطيع أن تكون رهينة لكيان إرهابي يرفض أن يتغير أو يقبل الحوار», وحين سئل عن طول الفترة التي يريد انتظارها قبل أن يبدأ بتطبيق خطته الأحادية الجانب في الضفة، رد بإنه لا يستطيع «الانتظار إلى الأبد». غير أن المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين يعتقدون أن أولمرت يحتاج ما بين ستة أشهر إلى سنة للبدء في تطبيق خططه على الأرض، وهو ما يعتقد الأميركيون أنها فترة قد تكون كافية لحدوث متغيرات على الأرض من بينها سقوط حكومة «حماس» بفضل الضغوط الدولية الشديدة الموجهة إليها والحصار المالي الذي تعانيه, وكان المسؤولون قاربوا الاجتماع الأخير بين بوش وأولمرت من دون الكثير من التوقعات، لكن مساعدي أولمرت خرجوا «سعداء للدفء الذي استقبل به رئيس الوزراء»، على حد قول أحد مرافقي أولمرت، الذي لم ينس أن بوش وحزبه الجمهوري بحاجة إلى أصوات اليهود الأميركيين ودعمهم في انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر المقبل. وكانت المفاوضات بين الإسرائيليين والأميركيين اشتدت في الأسبوع الماضي حول الطريقة التي سيرد بها بوش على أفكار أولمرت رسمياً، وهي الأفكار التي لم يكن الأميركيون يريدون أن يظهروا وأنهم يؤيدون فيها بحماس ما يعتبره الفلسطينيون وبقية العالم بمثابة موافقة لإسرائيل على استيلاء بالقوة على أراض محتلة أساسا, وقالت أوساط مطلعة على المفاوضات، إن الأميركيين اقترحوا في البداية كلمات مثل «مثيرة للاهتمام» لوصف خطة أولمرت، إلا أن الإسرائيليين تمكنوا في النهاية من إقناع الأميركيين باستعمال كلمتي «جريئة وبناءة»، وهو ما أسعد الإسرائيليين. لكن الأميركيين، حسب الأوساط المطلعة، لا تزال لديهم أسئلة عدة يريدون الحصول على أجوبة عنها من أولمرت، مثل: كم هو عدد المستوطنين الذين سيتم ترحيلهم من الضفة الغربية؟ أين سيكون موقع الجدار الأمني النهائي وهل سيكون بمثابة حدود إسرائيل النهائية؟ ماذا سيحدث لخطة التطوير الإسرائيلية التي تسمى بالخطة E 1 التي ستقتطع شرق القدس عن بقية أراضي الضفة؟ وكيف سينتشر الجيش في الأراضي التي سيتم ترحيل المستوطنين عنها؟ وكيف سيكون حال انتشار الجيش في منطقة غور الأردن من الجهة الفلسطينية لنهر الأردن؟ الى ذلك (ا ف ب)، اعربت اسرائيل امس، عن ارتياحها لرد فعل البيت الابيض حيال خطط اولمرت في شأن رسم الحدود، بينما دانه الفلسطينيون. واشارت غالبية المعلقين الاسرائيليين الى انها اكثر التصريحات العلنية ايجابية لمسؤولين اميركيين في شأن خطة اولمرت, ورحب وزير العدل حاييم رامون بتبني بوش الخطة «بخطوطها العريضة», واكد مجددا «سنكرس العام المقبل للتحقق من امكانية اجراء مفاوضات مع رئيس السلطة الفلسطينية ابو مازن». لكن رامون المقرب من اولمرت حذر من انه «في حال لم ينجح ابو مازن في فرض احترام الشروط الثلاثة التي وضعها المجتمع الدولي لحكومة حركة حماس، اي الاعتراف باسرائيل والاتفاقات المبرمة سابقا فضلا عن نبذ العنف، لن ننتظر سنوات» لتطبيق هذه الخطة. وشدد مستشار رئيس الوزراء دوف فايسغلاس ايضا على ان «كل الاسباب مجتمعة لنكون مرتاحين, وكان الاجتماع على مستوى امالنا», واضاف المسؤول رفيع المستوى الذي يشارك في الوفد الاسرائيلي في واشنطن «ثمة تفاهم الان مع الولايات المتحدة: في حال فشلت المفاوضات مع ابو مازن يمكن لاسرائيل ان تطبق اجراءات احادية الجانب». اما وسائل الاعلام التي تميل في شكل عام اكثر الى الانتقاد، فاعتمدت لهجة ايجابية جدا. وفي الجانب الفلسطيني، قال الناطق باسم حكومة «حماس» غازي حمد لـ «فرانس برس» ان اولمرت «يكذب». واضاف ان «برنامج اسرائيل السياسي واضح: يريدون اقامة دولة يهودية صرفة, هو غير مهتم بقيام دولة فلسطينية ويريد السيطرة على 35 في المئة من الضفة الغربية ويريد اعتبار الجدار حدودا والاحتفاظ بمستوطنات» متهما رئيس وزراء اسرائيل برفض «الجلوس على طاولة المفاوضات». ورفضت السلطة الفلسطينية، مساء الثلاثاء، الافكار التي طرحها اولمرت في واشنطن حول تطبيق «خريطة الطريق», وقال الناطق باسم الرئاسة نبيل ابو ردينة ان «كلام اولمرت غير مشجع وهو بافكاره الجديدة يحاول تغيير خطة خارطة الطريق» مؤكدا ان «كلامه غير مشجع على الاطلاق». واضاف ان «افكار اولمرت غامضة وغير مشجعة لكن مع ذلك نجدد القول ان السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية جاهزتان للبدء فورا في مفاوضات حول قضايا الوضع النهائي للتوصل الى حل على اساس دولتين جنبا الى جنب تعيشان بسلام وامن على اساس خطة خارطة الطريق».