مأمون كيوان

الاستخدام الإسرائيلي لأسلحة الدمار الشامل

تزعم أوساط دولية أمريكية على وجه التحديد أن امتلاك إسرائيل لأسلحة الدمار الشامل لا يهدد الاستقرار العالمي ولا يشكل تهديداً للعرب والفلسطينيين وأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط بل هو وسيلة حماية وردع. وفي هذا السياق قال المندوب الأمريكي السابق في مجلس الأمن، والسفير السابق في العراق جون نغروبونتي في شهر كانون الثاني من عام 2003 : "إن إسرائيل لم تستخدم هذه الأسلحة ـ أسلحة الدمار الشامل ـ ضد شعبها أو جيرانها". وكان وزير الدفاع الأمريكي السابق وليام كوهين قد أعلن في أواخر عام 1997 أن السلاح النووي الذي تملكه إسرائيل لا يشكل خطراً على حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وعلى المصالح الأمريكية أو وحداتها العسكرية الموجودة في المنطقة.

ولدحض هذه المزاعم نشير إلى أن إسرائيل هي أول من استعمل الحرب الجرثومية في فلسطين. وكانت البدايات خلال عام 1948 إذ أنه بعد سقوط حيفا في 22/4/1948، تدفق آلاف المهاجرين الفلسطينيين من حيفا إلى عكا، وازدحمت بسكانها، وكانت لا تزال تحت الحماية البريطانية، وفي الأسبوع الأول من أيار بدأت القوات الصهيونية بمحاصرة المدينة، ثم أطلقت عليها وابلاً من قنابل المورتر (الهاون) وكانت مياه الشرب تصل إلى المدينة من قناة تأتي من القرى الشمالية قرب كابري التي تبعد عشرة كيلو مترات عن عكا، وتعرف في بعض مواقعها بقناة الباشا. وتعترض طريق القناة إلى عكا مستعمرات صهيونية، شرقي وغربي المزرعة التي تبعد حوالي ستة كيلو مترات عن عكا. وفي نقطة ما عند القناة حقن الصهاينة مياه القناة بجرثومة التيفوئيد. وسرعان ما انتشرت حمى التيفوئيد بين الأهالي والجنود البريطانيين. وأشار تقرير للصليب الأحمر أنه يوم 6/5/1948 توجه مندوب الصليب الأحمر دوميرون من حيفا إلى عكا بصحبة الدكتور ماكلين طبيب الصحة لتفقد أحوال اللاجئين بعد تفشي التيفوئيد بينهم. وجاء في التقرير : إن الوضع خطير وإن تفشي المرض شمل المدنيين ورجال الجيش والشرطة. وقال البريغادير بيفردج مدير الخدمات الطبية العسكرية : هذه المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الوباء في فلسطين (رغم حالات النزوح والهلع بين السكان في أنحاء فلسطين). وقال التقرير : إن هناك خوفاً من أن ينتشر الوباء عن طريق اللاجئين المتجهين إلى لبنان. وفي إحصاء أول يقول التقرير إن المصابين 70 مدنياً فلسطينياً و 55 بريطانياً. وإن هذا هو الحد الأدنى للإصابات لأن كثيراً من السكان يخشون الإبلاغ عنها. وفي اليوم نفسه عقد اجتماع موسع في مشفى الصليب الأحمر اللبناني في عكا حضره البريغادير بيفردج والكولونيل بونيت عن الجيش البريطاني والدكتور ماكلين عن الخدمات الطبية ودوميرون عن الصليب الأحمر وقائم مقام القضاء المستر كينيون وحاكم صلح عكا السيد حكيم والطبيبان دهان والأعرج من الصليب الأحمر اللبناني ومهندسو البلدية وآخرون. وقرروا الآتي : لقد انخفض عدد سكان حيفا من 25 ألف نسمة إلى 8 آلاف بسبب النزوح، ولقد اكتشفت 70 حالة من الإصابة بالتفوئيد.

وإن الوباء محمول بالمياه. وإن حالات كثيرة مختفية وأخرى متفرقة بين القرى. وتم تنظيم عملية تطعيم كل الأهالي ورش المدينة بالمطهرات وتعقيم المياه وتجهيز كل المشافي الخالية وأخرى مؤقتة لاستقبال الإصابات، وتحديد تنقل الأهالي وعدم استعمال مياه القناة المذكورة. واستعمال الآبار الارتوازية والمياه من المحطة الزراعية شمال عكا بدلاً من ذلك. وكانت النتيجة الأساسية للوباء منع الأهالي من العودة إلى ديارهم. وفي تقرير 13/5/1948 يذكر مندوب الصليب الأحمر عدم تمكن السلطات البلدية ـ خصوصاً في غياب رئيس البلدية ـ من وضع حد لنزوح الأهالي من المدينة. ويشيد بالأطباء والممرضين التابعين للصليب الأحمر اللبناني وعملهم الإنساني الكبير، وقد جاء ليساعدهم الدكتور دباس من يافا والسيدة بهائي من حيفا. وفي تقرير 16/5/1948 يشرح المندوب كيف اشتد هجوم الهاغانا على المدينة بالمدافع وقذائف المورتر، وطافت سيارات إسرائيلية فيها مكبرات الصوت تنادي "أمامكم الاستسلام أو الانتحار، سنبيدكم إلى آخر رجل" ويذكر قصة محمد فايز صوفي من هؤلاء الذين رفضوا الانتقال. لقد نجا محمد بأعجوبة ومات ثلاثة من زملائه بإرغامهم على شرب سم السيانيد ثم ألقيت جثثهم في البحر. ويذكر التقرير أن البريطانيين أتوا قبل 30 عاماً لحماية الأهالي الفلسطينيين وتأهيلهم لحكم أنفسهم. فقد غادروا البلاد تحت جنح الظلام ونقلوا كل المصابين بالتيفوئيد إلى بور سعيد للاستشفاء ولم يحققوا في كيفية الإصابة ومن وراءها، مع أنهم يعلمون أو يشكون من هو الفاعل. وقد جاء في الرواية الإسرائيلية إن الإصابة بالتيفوئيد كانت نتيجة الازدحام وسوء الأحوال المعيشية. ولو كان هذا صحيحاً، فلماذا لم يحدث في أماكن أخرى من فلسطين، وحدث فقط في عكا للمرة الأولى في فلسطين، كما قال الضابط البريطاني؟ ولماذا أصيب جنود الجيش البريطاني وأحوالهم المعيشية أفضل؟ ولماذا توقفت الإصابات بعد إقفال مياه القناة؟

وبعد أسبوع فقط من عملية حقن مياه قناة الباشا بجرثومة التيفوئيد لجأت إسرائيل إلى تطبيق العملية نفسها في غزة.(26) ففي يوم 22/5/1948 قبضت القوات المصرية على اثنين من اليهود متلبسين بمحاولة تلويث مياه غزة. وجاء في نص البرقية المرسلة من رئاسة القوات المصرية في غزة إلى رئاسة الجيش المصري في القاهرة : الساعة 15.30 ضبطت مباحث القوات المصرية اثنين من اليهود هما دافيد هورين و دافيد مزراحي كانا يحومان حول قوات الجيش. وبالتحقيق معهما اتضح أنهما مكلفان من القائد الصهيوني موشي بتسميم مصادر المياه التي يستقي منها الجيش والأهالي بميكروب التيفوس. وقد ضبطت معهم زمزمية مقسومة من الداخل بحاجز، ومن القسم الأعلى مياه عادية صالحة للشرب والنصف الأسفل خلاصة الميكروب وفيه فتحة سفلية خفية. وقد اعترفا بأنهما جزء من فريق مكون من عشرين شخاً. أرسلوا من روحوبوت بمثل هذه المأمورية. وقد أعطى كل منهما اعترافا ًخطياً بيده باللغة العبرية وبإمضائه وقد قمنا من جانبنا بالإجراءات الصحية اللازمة.

وجاء في مذكرات الحرب لدافيد بن غورين في 27/5/1948 النص الآتي "التقطنا برقية من غزة جاء فيها أنهم اعتقوا يهوديين يحملان جراثيم الملاريا وأصدروا تعليمات بعدم شرب الماء". وهذا الوصف الموجز لا يفي بالغرض، لكن هذه هي صفة كتابات بن غوريون الذي يعي المسؤولية التاريخية عما يكتب. لكن تفاصيل البرقية وخلفياتها جاءت بشكل أوسع في كتاب يروحام كوهين المعنون "في وضح النهار وظلام الليل". الصادر في تل أبيب عام 1969 بالعبرية، ص 66 – 68: وبعد التحقيق مع المجرمين، أعدما بعد ثلاثة أشهر من القبض عليهما، وفي 22/7/1948 قدمت الهيئة العربية العليا إلى الأمم المتحدة تقريراً طويلاً من 13 صفحة. يتهم اليهود بالتخطيط والتنفيذ وإقامة المختبرات لحرب الإبادة ضد العرب باستعمال الجراثيم والبكتريا، وهو سلاح غير إنساني. كا يتهم التقرير إسرائيل بنشر الكوليرا في مصر في خريف 1947 وفي سورية في شباط 1948. وقد نشر هذا التقرير الصحافي الأمريكي توماس هاملتون الذي حاز على جوائز عدة عن تحقيقاته الصحفية، في صحيفة "نيويورك تايمز" في 24/7/1948.

وفي كتاب "الإرهابيون الصهاينة" للبروفيسور سيث كاروس الذي نشره مركز الحد من انتشار الأسلحة في جامعة الدفاع الوطنية في واشنطن عام 2001 وردت تفاصيل واقعة تسميم مياه عكا وغزة، وذكر أيضاً أن راشيل كاتزمان أخت دافيد هورين الذي اعتقل في غزة سألت الضابط المسؤول عن أخيها : لماذا سممتم المياه؟ فقال لها : هذه هي الأسلحة المتوفرة لدينا. كما ذكر كاروس أن "الصحافة العالمية اهتمت بانتشار وباء الكوليرا في مصر الذي أفضى إلى وفاة 10262 شخصاً من الذين أصيبوا بالوباء حسب صحيفة "التايمز" اللندنية الصادرة في 26/9/1947.

وانتشر الوباء ولكن على نطاق أصغر في سورية في 21/12/1947 وقد ضربت السلطات السورية حصاراً صحياً على القرى المتضررة ومنعت الدخول إليها إلا للطواقم الصحية والمياه والأغذية المعتمدة ولذلك توفي 18 شخصاً أصيبوا بهذا الوباء. ومن الجدير ذكره أنه في عام 1993 بعد 45 عاماً من عملية تسميم مياه عكا ومحاولة تسميم مياه غزة قامت الصحافية الإسرائيلية سارة ليبوفتس ـ دار، العاملة في صحيفة هآرتس باستجواب العالم أفرايم كاتالاسكي (لاحقاً كاتسير) والعالم أليكسندر كينان والضابط الكولونيل شلومو غور المسؤول عن وحدة الجراثيم، في مقابلة نشرتها الصحيفة المذكورة في 8/12/1993 تحت عنوان "الميكروبات في خدمة الدولة". وفي المقابلة تهرب هؤلاء من الإجابات الصريحة. ولكنهم اعترفوا بأنهم وضعوا خططاً لدراسة احتمالات الحرب الجرثومية. كما قابلت الصحفية الضابط الذي اقترف جريمة تسميم عكا، فسألها : لماذا تبحثون عن المشكلات التي حدثت قبل 45 عاماً؟ ماذا تكسبون من نشر هذا؟ أنا لا أعلم شيئاً. ثم قابلت الضابط الذي دبر خطة تسميم غزة الذي قال لها بغضب: "لن تحصلي على إجابات مني أو من غيري". أما الكولونيل شلومو غور فقال : "لقد سمعنا عن وباء التيفوئيد في عكا وعملية غزة. كانت هناك إشاعات كثيرة ولا ندري إن كانت صحيحة أم لا. وكتبت الصحافية معلقة على تلك المقابلات ما يلي: "كل من عمل تلك الأيام بدافع الإيمان والتفاني أصبحوا يتسترون عليه كالعار. أما الأحياء منهم فمعظمهم فضل الصمت وبعضهم ألغى المقابلة في آخر لحظة عندما عرف موضوع السؤال، وأحدهم قال: "ليس كل ما عملناه في الماضي يستوجب المناقشة". وتشير المعطيات إلى أنه قبل العدوان الثلاثي على مصر بقليل طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون من العلماء الإسرائيليين أن يضعوا خطاً ثانياً للدفاع باستعمال سلاح غير تقليدي ولكنه رخيص. وطالبهم بالإسراع في تحضير هذا السلاح كأنما كان يعد العدة لعمل ما. ويحتاج إلى بديل آخر لو أخفق السلاح التقليدي. وقد اتضح فيما بعد أن هذا العمل المرتقب هو العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وفي هذا السياق اعترف المؤرخ العسكري الدكتور أوري ميلشتاين بأنه في كثير من القرى العربية التي جرى احتلالها سممت مصادر المياه فيها لمنع الأهالي من العودة إلى دياهم. أما نعيم جلعادي ـ وهو يهودي عراقي جنده جهاز الموساد واستقر في إسرائيل وخدمها بإخلاص ـ فإنه بعد فترة اكتشف عنصرية الاشكنازيين تجاه اليهود الشرقيين من أمثاله فهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وفيها صرح للصحافيين عن تجاربه في إسرائيل، وقال : "إن موشي دايان أصدر أوامره بطرد العرب من قراهم وتدمير منازلهم وتسميم الآباء بالتيفوس والديزنطاريا".

وينبغي الإشارة إلى أن إسرائيل قامت بإتلاف المحاصيل الزراعية في وادي الأردن كإجراء تأديبي للفلسطينيين والأردنيين في 14/8/1967. فضلا ًعن أنها قامت بضرب مدينة السلط الأردنية بقنابل "النابالم" في 15/2/1968 مما أدى إلى مقتل وتشويه عدد من سكان المدينة. كما استخدمت إسرائيل أسلحة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في التظاهرات وقامت بتلويث مصادر المياه في الضفة الغربية خلال الانتفاضة. واستخدمت المبيدات ضد المزروعات التي تخص أهالي عين البيضا (1968) وعقربا (1973) ومجدل بني فاضل (1978) ولبنان (1982) و منطقة النقب (2000).

وأشارت وثيقة أمريكية حصلت عليها صحيفة "البيان" الإماراتية، تتمثل في أعدته منظمة انترناشيونال آكشن سنتر "International Action Center" من عصام مخول عضو الكنيست الإسرائيلي عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وكشف مخول عن استعمال إسرائيل لمادة اليورانيوم المنضب في القذائف التي استخدمتها في جنوب لبنان أيضاً. وأعلن أنه وجه استجواباً لوزير الدفاع الإسرائيلي في هذا الشأن غير أنه لم يرد عليه حتى الآن وأمد البيان بمستندات تؤيد تطوير إسرائيل لصناعة ذخائرها ومدرعاتها مستخدمة مادة اليورانيوم لزيادة صلابة المدرعات ودعم قدرات الاختراق لمقذوفاتها. وأكد الدكتور النمر استخدام الجيش الإسرائيلي لقذائف تم إدخال اليورانيوم في صناعتها ضد الانتفاضة الفلسطينية وخاصة رصاص دمدم الإسرائيلي وقذائف الدبابات حيث تزداد قوة الاختراق لهذا النوع من الرصاص داخل جسم الإنسان حال انتشاره. وأكد النمر أن الآثار المتوقعة جراء استخدام هذه المواد ضد المواطنين العرب في الجنوب اللبناني، وفي الأراضي الفلسطينية خطيرة للغاية ومنها ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان بين مواطني هذه المناطق. من جهة أخرى ذكر رئيس الحزب الديمقراطي في إسرائيل عبد الوهاب الدراوشة أن الأطباء المعالجين للمصابين من ضحايا الانتفاضة في الأردن أبلغوه أثناء زيارته للجرحى مؤخراً أن الإصابات بالرصاص الإسرائيلي غير عادية، وأكدوا له أن رصاص قوات الاحتلال يحدث فجوات غائرة داخل جسد الضحية. وهو أمر غير مسبوق في مثل هذه الحالات، ولم يستبعد الدراوشة أيضاً استخدام إسرائيل لمثل هذه الأنواع من المقذوفات في حرب الإبادة التي تقوم بها ضد الشعب الفلسطيني.

وكشف النمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تلقت طلباً من إسرائيل أثناء الاستعداد لحرب الخليج الثانية لتجربة القنابل النيوترونية ضد العراق، غير أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ـ الأب ـ رفض الطلب الإسرائيلي واستخدمت واشنطن قذائف اليورانيوم في تصنيعها مما سبب ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان بين المواطنين العراقيين. لم تتوقف آلة الحرب الصهيونية عن تطوير أدواتها في مواجهة العرب حتى لو كانوا أطفالاً. وهكذا فعل جيش الاحتلال الإسرائيلي بأطفال فلسطين. فقد كشفت منظمة أمريكية عن تفاصيل خطيرة تقطع باستخدام إسرائيل لمادة اليورانيوم في القشرة الخارجية للقذائف والصواريخ والرصاص التي تم استخدامها لقمع الانتفاضة الفلسطينية. ويقول التقرير : إن إسرائيل استخدمت اليورانيوم المستنفذ في ذخائرها واكتشف ذلك فريق أمريكي من الباحثين قام بإجراء دراسات في بعض أراضي الضفة والقطاع منذ الأول من نوفمبر 2000. كما بين أن قوات الاحتلال استخدمت هذا النوع من القذائف في زوارقها الحربية التي قصفت المناطق الفلسطينية، والطائرات المروحية التي وجهت قذائف عادية وصاروخية دخلت مادة اليورانيوم في صناعتها.

وشددت الوثيقة على أنه لدى المنظمة ما يقطع باستخدام الجيش الإسرائيلي لهذه الذخائر وأكدت قدرة قوات الاحتلال على حماية الجنود من آثار تلك المقذوفات التي انتهزت تل أبيب الفرصة لتجربتها ضد المواطنين الفلسطينيين. وكشفت المنظمة الأمريكية النقاب عن تقارير إسرائيلية صدرت من القدس تشير إلى أن إسرائيل حملت طائرات المروحية من طرازي الأباتشي والكوبرا بمقذوفات وصواريخ من هذا النوع، وأنها أطلقتها على مكاتب صغيرة لحركة فتح الفلسطينية في رام الله ودمرتها بالكامل. كما استخدمت رصاصاً دخلت مادة اليورانيوم في تركيبه ضد مجموعة من الشباب التابعين لحركة فتح في منطقة رام الله. وأشارت الوثيقة الأمريكية إلى أنه عقب اكتشاف الفريق الأمريكي لهذه العملية قام عدد من مندوبي أل (I. A. C) "منظمة انترناشيونال آكشن سنتر" بالسفر إلى تل أبيب التي وصلوا إليها عن طريق مطار بن غوريون، وقام مندوبو المنظمة بلقاء عدد من المسؤولين الإسرائيليين للبحث فيما توصلوا إليه من نتائج تقطع باستخدام الجيش الإسرائيلي لهذه الذخائر، غير أن القيادات الإسرائيلية منعت مندوبي المنظمات من استكمال عمليات البحث، وطالبتهم بالرحيل فوراً، وفيما بعد عمدت السلطات الإسرائيلية إلى محاولة إخفاء الآثار الدالة على جريمتها.

ويقول التقرير الأمريكي : إن الكشف عن هذه العملية سوف يكون مصدر إزعاج واحتجاجات دولية ضد إسرائيل، كما أنه يؤكد عدم التوازن في المنطقة وقد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار على المستوى الإقليمي، تشير الوثيقة الأمريكية أيضاً إلى أن إسرائيل التي تستخدم اليورانيوم في مدرعاتها لإعطائها قدرة أفضل على مقاومة القذائف عرضت منطقة الضفة الغربية وقطاع غزة إلى كمية كبيرة من التلوث الإشعاعي. وذكرت المنظمة الأمريكية في تقريرها أن هذا التلوث أعلى من أي تعرض للتلوث من مصدر صناعي، كما ذكرت الوثيقة الأمريكية أن هيئة لاكا (LAKA Faunedation) الهولندية أجرت متابعة مماثلة وأنها توصلت إلى النتائج نفسها. كما ذكرت الوثيقة أن الذخائر الإسرائيلية تمت تجربتها في الانتفاضة ضد المواطنين في المنشآت الفلسطينية لمدة 32 يوماً بواقع قصف متواصل لمدة 12 ساعة كل يوم. وكشفت المنظمة الأمريكية أيضاً عن أن إسرائيل عملت في برنامج الذخائر المشار إليها على مدى الأربعة عشر عاماً الماضية بإشراف صارم من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد). وذكرت الوثيقة أن هذه المعلومات تضمنها تقرير صدر عن الجيش الأمريكي في عام 1995 حول السياسية البيئية في الحروب. وحذرت المنظمة من أن عمليات إسرائيل مؤخراً في مواجهة الانتفاضة ستخلف آثاراً خطيرة تتمثل في وجود نشاط إشعاعي في المناطق المصابة إضافة إلى مواد سامة وكل ذلك يؤدي إلى نتائج تطابق استخدام القنابل النووية لأن كثافة عنصر اليورانيوم المستخدم تزيد في القوة على عنصر الرصاص بنسبة 70%، ونصف عمره يصل إلى أربعة ونصف بليون سنة، وأشار التقرير الأمريكي إلى قيام السلطات الإسرائيلية بإنشاء مراكز خاصة لتخزين هذه الذخائر تتمتع بمعدلات أمان مرتفعة. وذكر التقرير الذي استند إلى الدراسة العلمية التي قام بها الفريق الأمريكي خلال الأيام الماضية أن مادة اليورانيوم المستخدمة في هذه القذائف تتساقط في صورة جسيمات ناعمة ويعلق منها في الهواء أكسيد اليورانيوم، الذي يسبب تلوثاً خطيراً أثناء التنفس ويؤثر ذلك على الماء والهواء والطعام والأراضي الزراعية في المناطق الفلسطينية.

كما كشفت منظمة (I. A. C) عن تقرير هولندي في حوزتها ذكر قيام قوات الاحتلال بتجربة الذخائر على 43 فلسطينياً عام 1992 وأنه قد تم قتلهم جميعاً. وكشفت المنظمة الأمريكية أيضاً عن تقرير أصدرته الحكومة الهولندية يؤكد أن طائرة شركة العال الإسرائيلية البوينج 747 التي سقطت في امستردام كانت تحمل إضافة للغازات السامة والمهيجة للأعصاب 1500 كيلو جرام من القنابل المعالجة بمادة اليورانيوم. وذكرت المنظمة أن الحكومة الهولندية قدمت احتجاجاً شديد اللهجة لإسرائيل التي كادت تسبب كارثة بيئية وعرضت المواطنين الهولنديين لمخاطر التلوث الإشعاعي والسام. كما قامت حكومة تل أبيب منذ عام 1997 بتوزيع حبوب للوقاية من الإشعاع على قوات الاحتلال والمواطنين الإسرائيليين. وذكرت المصادر أن إسرائيل وزعت في عام 1997 ستة آلاف حبة بين قواتها العاملة، فيما استكملت توزيع هذه الحبوب على الإسرائيليين والمستوطنين خلال عام 2000 الحالي. وأكد عضو الكنيست عصام مخول إنه استطاع الحصول على معلومات ووثائق تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي استعمل أسلحة جديدة ضد المقاومة الوطنية في جنوب لبنان تؤدي للقتل بشكل سريع وتم استخدام اليورانيوم في صناعتها، وذكر مخول أنه أجرى اتصالات مع عدد من العلماء في إسرائيل أكدوا ذلك الأمر. وكان أن طالب عضو الكنيست مخول بإجراء الفحوصات اللازمة لجرحى الانتفاضة الفلسطينية وإخضاع المقذوفات الإسرائيلية للتحليل الدقيق. وأن ذكر أنه سيضطر إلى اللجوء للمحكمة الإسرائيلية العليا إذا استمر وزير الدفاع الإسرائيلي في رفضه الرد على الاستجواب. ويشير إلى أن عدداً من النواب الإسرائيليين قد ينضمون إليه فيما يتعلق بالشق الخاص بحماية المدرعات الإسرائيلية بألواح دخل اليورانيوم في صناعتها لأنها تصيب جنودهم بأضرار خطيرة‌. على الرغم من عدم اكتراث هؤلاء بالمآسي المنتظرة لأبناء الجنوب اللبناني وأبناء فلسطين المحتلة‍!

أما الدكتور فوزي حماد الرئيس الأسبق للهيئة المصرية للطاقة الذرية فأكد لصحيفة "البيان" استخدام اليورانيوم في الدروع والمقذوفات مشيراً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمته أيضاً. ويوضح الدكتور حماد أن اليورانيوم المستخدم هو اليورانيوم المستنفذ بعد عزل العنصر 237 الفعال في القنابل الذرية، وأشار إلى أن هذه التقنية من شأنها إعطاء قوة تغلغل هائلة للمقذوفات تمكنها من الاختراق الكامل حتى للدروع. وأشار إلى أن الجدل واسع حالياً في المؤسسات العلمية الأمريكية في شأن استخدام واشنطن لليورانيوم في المدرعات والمقذوفات أثناء حرب الخليج مما أصاب الجنود الأمريكيين بأمراض خطيرة بسبب استنشاقهم للبخار الناجم عن احتراق بعض هذه المقذوفات والدروع وذلك حسب المصادر الغربية ذات الصلة. ويؤكد الدكتور حماد أن التعرض للإصابة بمثل هذا النوع من المقذوفات من شأنه إحداث مضاعفات مرضية خطيرة.

أما الدكتور طارق النمر رئيس معمل التحليل الإشعاعي والمرشح المصري لجائزة الإيسيكو للعلوم من جهته فيحذر بشدة من مخاطر استعمال قوات الاحتلال هذه المقذوفات، أوضح إن الإصابة بالأمراض السرطانية مؤكدة في هذه الحالة إذ إن استخدام مادة اليورانيوم في سبيكة المقذوف سوف يصيب الكائنات الحية بأضرار قاطعة حتى من خلال الشظايا ويصبح الأمر أكثر خطورة إذا ما دخل المقذوف جسم الإنسان، كما في حالة الرصاص، هنا تصبح الإصابة بالأمراض السرطانية مؤكدة لأن اليورانيوم تصدر عنه جسيمات ألفا "المدمرة للخلايا الحية وهي أخطر أنواع الأشعة المؤينة. وطالب الدكتور النمر بإخضاع المقذوفات الإسرائيلية لتحليل إشعاعي دقيق للكشف عن مكوناتها بدقة. إلى ذلك دعت المنظمة الأمريكية لتحرك واسع يشمل الأطباء والعلماء والعسكريين لمناقشة الآثار المنتظرة في الأراضي الفلسطينية وأشارت إلى تقاريرها السابقة التي كشفت قيام الجيش الأمريكي باستخدام ذخائر مماثلة في بنما. وطالبت الدول العربية بالضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لمنع استخدام هذه الذخائر ضد الفلسطينيين.

وجراء استخدام القوات الإسرائيلية لأسلحة معروفة وأخرى غير معروفة ومحرم استخدامها دولياً، ضد المسيرات والتظاهرات السلمية للفلسطينيين في سياق انتفاضة الأقصى. قال الخبير البيئي الفلسطيني والمستشار الفني في وزارة البيئة الفلسطيني محمد سعيد الحميدي في لقاء صحفي نشرته صحيفة "الحياة الجديدة" الفلسطينية في عددها الصادر في 10/12/20000 : "قد يكون لبعض الغازات الكيماوية المستخدمة تأثيرات بسيطة. ولكن من المؤكد أن تراكماتها الزمنية قد تتسبب بأمراض لا يعلمها إلا الله. كالمواد المسرطنة التي تبدو للوهلة الأولى خفيفة لكن تراكمها في جسم الإنسان مع الزمن يؤدي إلى الإصابة بالسرطان. وبالتالي فإن الإصابة بالسرطان من هذه الغازات يضر بالتوازن الجسمي والدورة الدموية والجينات ويؤدي إلى التشوهات الخلقية، وإن وجود حالات كثيرة من الإجهاض في صفوف النساء الفلسطينيات الحوامل يعطينا مؤشراً على مدى خطورة وتأثير الغازات المستخدمة على عملية التكاثر. ويشير الحميدي إلى أن نتائج الاستبيان الذي أجرته وزارة البيئة الفلسطينية بالتعاون مع وزارة الصحة الفلسطينية تفيد أن معدلات الإجهاض بالدرجة الأولى ارتفعت تليها مشكلات التنفس في الجهاز الرئوي ووجود اختلالات في الجهاز العصبي نتيجة قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي برش الغازات الخطرة في الأجواء الفلسطينية ليس فقط في وقت الحرب، وإنما في أوقات السلم أيضاً. ورغم أنه لم يتم إثبات ذلك حتى الآن ميدانياً لعدم توفر الإمكانات المادية والفنية والعلمية، إلا أن هناك العديد من المؤشرات الدالة على خطورة الغازات المستخدمة حيث كتب على بعض أنواع الغازات تحذيرات تمنع إلقاءها في أماكن مغلقة. وإطلاقها مباشرة على المواطنين.

وتتقاطع أقوال الحميدي مع ما ذكرته "هآرتس" عن ظاهرة الاستخدام الكبير لغاز الأعصاب في وقت السلم كما هو الحال في وقت الحرب، بقولها : إن المعهد البيولوجي المسمى معهد الأبحاث البيولوجية الموجود في غرب نيس تسيونا، الذي يخضع لرئيس الحكومة يقدم الخدمات لوزارة الدفاع والوزارات الأخرى مثل وزارة الصحة ووزارة الصناعة والتجارة ووزارة الزراعة ووزارة البنى التحتية ووزارة العلوم.

وبشكل غير مباشر يقر إيتان هابر أحد كتاب صحيفة "يديعوت أحرنوت" باستخدام الجيش الإسرائيلي أسلحة إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، وذلك في السياق التالي : "إليكم سراً عميقاً من الأسرار التي يجب عدم قولها علناً (...) لا يوجد لرئيس الحكومة أية خطة لا خطة أمنية ـ عسكرية ولا خطة سياسية (....) لقد احتللنا كل مكان وفجرنا هواتف خلوية برؤوس مخربين، فاجأناهم بلباس امرأة على بعد مئات الكيلومترات من البيت، هاجمنا قواعد، وحقنا بالمواد السامة، ما الذي لم نفعله؟. ولم يتوقف استخدام الأسلحة الفتاكة من قبل الإسرائيليين ضد الفلسطينيين بل تم تجاوز ذلك إلى إجراء تجارب على الجنود الإسرائيليين أنفسهم. وفي هذا السياق كشفت المراسلة العسكرية كرميلا منشيه في إذاعة إسرائيل أن جيش الدفاع يقوم اليوم بتجارب لمعرفة تأثير حبوب مريدوستينامين، وتجري التجارب بشكل أساسي على أجسام الجنود الأغرار. بينما يؤكد الناطق باسم الجيش أن الجنود غير ملزمين بأخذ الحبوب، ولكن يطلب منهم التوقيع على استمارة يوافقون فيها على ذلك، وأكد أيضاً أن التجارب تجري بإشراف طبي مستمر، ولا تنطوي على أي خطر على الجنود، لكن أهالي الجنود يدعون بأن جيش الدفاع يستغل خوف الأغرار من الاعتراض على أوامر القادة.