جاءت ردة الفعل العصبيّة التي أبدتها دمشق على بيان المثقفين السوريين واللبنانيين لتثير بعض الريبة وتخلط بعض الأوراق. فمن جهة، حظي بأوسع الإدانة اعتقال الكاتب ميشيل كيلو، المعروف بميوله القومية العربية وكتاباته المناهضة للولايات المتحدة الأميركية والسياسة الإسرائيلية، فضلاً عن زملاء له هم كتّاب أو ناشطون في مجالات حقوق الإنسان. ومن جهة أخرى، حظي بأوسع الاستهجان الردّان اللذان نشرتهما جريدة "تشرين"، الرسميّة السوريّة، على البيان. فقد قوّلاه ما لم يقله، ومن أجل حمل القرّاء على تصديق اتهاماتهما، وضع كاتبا الردّين بعض العبارات داخل مزدوجات للإيحاء بورودها في البيان!

وكان لردة الفعل تلك أن حملت سياسياً لبنانياً كرئيس الحكومة السابق سليم الحص، معروفاً بتوجّهاته القريبة من دمشق، إن لم يكن الموالية لها، على توجيه كتاب مفتوح إلى الرئيس بشّار الأسد يدين فيه اعتقال كيلو ويطالب بإطلاق سراحه.

وراجت، في الوقت نفسه، في بيئة الصحافيين الغربيين المتابعين للشأن السوري تساؤلات عن سرّ هذا "التوجّه الصدامي" الذي بدأت تسلكه دمشق مؤخّراً، غير عابئة بأي اعتبار. أما اللبنانيون من نقّاد سوريا، ومن بعض حلفائها المعتدلين، فساءهم "الهجوم" غير المتوقّع الذي شنّته دمشق من خلال جماعة "فتح- الانتفاضة" وما ذاع عن انتقال أسلحة ومقاتلين إلى لبنان عبر الحدود.

وقد بدا أن ما يصبغ التساؤلات تلك بقدر بعيد من الاستغراب أن سوريا فكّت الحصار الذي وجدت نفسها فيه بُعيد جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري. وفي آخر المطاف، جاء قرار مجلس الأمن 1680 ليخفّف لهجة القرارات السابقة بحق دمشق، إذ اكتفى بـ"حضّـ"ـها على إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان مُرفقة بترسيم الحدود.

بيد أن هذه التطوّرات جميعاً هشّة على نحو أو آخر ولا تكفي، على ما يبدو، لإحداث اطمئنان سوريّ تحول دونه عوامل أساسيّة لا تُحصى: وإذا صحّ أن النظام حقق بعض نجاح ملحوظ في استثارة الوطنيّة السوريّة واستثمارها لصالحه، بحجّة التعرّض لمؤامرة دولية انطلاقاً من لبنان، فالصحيح أيضاً أن ثنائي البيانوني- خدّام نجح في مخاطبة الوضع الداخلي الذي تعجز تلك الاستثارة عن طمسه وعن القفز فوق المشكلات المتراكمة المقيمة فيه.

إلى ذلك، تلاحقت المعلومات والتسريبات التي تفيد أن العواصم العربية الفاعلة، التي استقبلت تباعاً زعماء لبنانيين مناهضين لسوريا، مستاءة من عدم وفاء دمشق بالالتزامات التي قطعتها حيال الحكومة اللبنانية ورئيسها فؤاد السنيورة. ولم يخلُ الأمر من إشارات إلى تعاظُم القلق، لدى العواصم تلك، حيال درجة التقارب السوري-الإيراني في ظل المخاوف التي يفاقمها مشروع التخصيب وما تفرّع ويتفرّع عنه. وفي الاتجاه ذاته عمل الغمز الأردني من قناة سوريا و"التدريب فيها"، مع كشف عمّان عن تهريب "حماس" أسلحة إليها، مما أكّده الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وإذا كان الفوز الانتخابي الذي حقّقته الحركة المذكورة، وتأدّى عنه تشكيل إسماعيل هنيّه حكومته، قد عُدّ مكسباً لدمشق، على ما سبقت الإشارة، فإن الأمور تتبدّى أشدّ تعقيداً من الحسبة البسيطة هذه. ذاك أن الأوضاع السياسية والاقتصادية، بل الأمنية، التي تحيط بصعود "حماس"، تهدّد باستغراقها واستنفادها تماماً، ومن ثم بإلغاء كل دور إقليمي يمكن الرهان على قيامها به. وإذا ما صحّت التقديرات التي تتحدث عن نفوذ مُستجدّ لـ"القاعدة" في قطاع غزّة، فهذا يعني بداية خروج اللعبة من أيدي الجميع. وتطوّرٌ من النوع هذا يثير قلقاً خاصّاً في دمشق التي تغدو، والحال على ما هي عليه، مدعوّة إلى تجديد هويّتها المتطرّفة آملةً، من جهة، بقطع الطريق على "القاعدة"، ومعتمدةً، من جهة أخرى، على نفسها لا على "حماس" المنشغلة بهمومها. والشيء نفسه، ولو مقلوباً، يمكن قوله في أمر العراق..

وأهم من كل ما عداه تقرير المحقّق برامرتس. فقد سبق لدمشق أن احتفلت بنهاية عمل ميليس، وظهر في صحفها وعلى ألسنة بعض رسمييها امتداح للمحقّق الجديد ومنهجه في التحقيق. لكن ماذا لو أن الأخير توصّل إلى نتائج مشابهة لما توصّل إليه سلفه، بطريقته الصامتة البعيدة عن الأضواء والإعلام والتسريبات مما كان يستهوي المحقّق السابق؟ ولنا أن نفترض، بنصف يقين، أن المسؤولين السوريين ممن التقاهم برامرتس ربما توجّسوا شيئاً من هذا القبيل، أو أنهم يتهيّأون لاحتلال موقع شديد الحدّة والتطرّف يقطع مسبقاً كل جسور التفاعُل مع النتائج التي قد يصار إلى بلوغها. فإذا صحّت الأخبار المنقولة عن موسكو، ومؤدّاها أن روسيا قلقة مما قد تؤول إليه العلاقات اللبنانيّة- السوريّة بعد صدور التقرير، اكتسبت التقديرات تلك درجة من المصداقيّة أعلى.

وثمة من يضيف الموقع الروسي نفسه، الأمر الذي حمل رئيس الأكثريّة النيابيّة في لبنان، سعد الحريري، على زيارة موسكو والتأكيد على التلاقي معها في النظر إلى المسائل المعنيّة. فإدارة فلاديمير بوتين المهتمّة بحماية سوريا، مهتمّة أيضاً بأن تبقى المواقف السوريّة قابلة لأن تُحمى، أي أن تكون على شيء من الاعتدال والمرونة يسهّلان على الروس الدفاع عنها. ولنا أن نتوقّع، في الإطار هذا، ضغوطاً على دمشق من الكرملين في اتجاه الاعتدال تقابلها محاولات سوريّة لوضع بوتين أمام الأمر الواقع، ومفاده أن دمشق مُستهدَفة وما على موسكو إلا أن تهبّ لنجدتها محتفظةً لنفسها بملاحظاتها "الحكيمة".

وفي الصورة الأبعد تكمن العلاقات الأميركية/ الأوروبية مع إيران. فإذا مالت العلاقات تلك إلى التصعيد والتوتر، على ما بات مرجّحاً، فإن دمشق ستجد نفسها في أتون معركة ضارية وواسعة. وأمام احتمال كهذا يكون ما نشهده انتقالاً تدريجياً إلى احتلال الموقع ذاك، عملاً بما يتطلّبه الاستعداد للمعركة. أما إذا انفرجت على الجبهة الإيرانية- الغربية، من ضمن ترتيب شامل لتوازنات القوى ومواقع النفوذ، فأغلب الظن أن تنتزع إيران "حصّتها" في الخليج وآسيا، لا في منطقة الشرق الأوسط العربي. وهو ما يعني أن سوريا ستجد نفسها وحدها في مواجهةٍ قد يقرر البعث الحاكم خوضها إلى النهاية. ذاك أن حصول القناعة بالهزيمة، كائناً ما كان السلوك، يحصر الخيار بين نوعين محتومين من الموت. وهذا، تحديداً، ما وجده صدام حسين في مواجهته عشية الحرب الأميركية.

وقصارى القول إن المكاسب التي حققتها دمشق في لبنان، بإبقاء إميل لحود في رئاسة الجمهوريّة والحؤول، عبر "حزب الله"، دون التوصّل إلى طاقم حكم منسجم، ليست كافية لأن يُبنى عليها. فسوريا لن تستطيع إلا أن تتطرّف في الأمد المنظور إدراكاً منها أن الفواتير المتراكمة يستحيل دفعها، كما يستحيل التفاوض بشأن إلغائها أو تأجيلها. وقد نشهد في الفترة المقبلة بعض الانفكاك عنها من قبل حلفاء لها، لبنانيين أو إقليميين أو دوليين، إما لشعورهم بالعجز عن مواكبة مواقفها الهائجة وإما لرغبة في القفز من المركب قبل غرقه. لكنْ كائناً ما كان الأمر، يبقى الأهم ألاّ يدفع السوريون، ومعهم اللبنانيون، أكلافاً باهظة من جرّاء الفجوات الكثيرة التي تخترق هذا المركب، والتي يصرّ ربّانه على الإمعان، يوماً بيوم، في توسيعها.