نضال الخضري

فوق الأسوار التي تحاصرني أحلق بخيال أو بصورة لا تنسى، وربما بشبق لحياة في وطن من "الغربة" الدائمة... ليس لأنني أنثى، فالوطن لا يهتم بجنس والغربة لا تحتمل أي تقسيمات تخص الذكور، وفي نهاية الطريق يتربع على العرش اختلاط الأفكار وعرض مصور لوطن بقي يتلاشى في ذاكرة أهله، ويتكامل مع قدرتي ... قدرة الآخرين على اختراق الحياة وعلى اجتذاب مساحات جديدة من "الخضرة" أو "قحط" الصحراء.

لم أكن أشعر أن "المعنفات" غريبات .. أو "المراهقات" تائهات في تناقضات لا يقدمها سوى زمن النهايات القصوى، لكن اكتمال الحياة يحتضن الجميع وربما لا يرحم أحد من النظر والبحث في ابتداع نسميه "الغربة" ويراه البعض "اغترابا" عن أنفسنا ... أوهام للوطن الذي ابتدعناه على سياق الواحة، أو على شاكلة الخروج من "القبيلة"، لكنه في صورته الأخيرة لا يرتسم إلا كلوحة ناقصة في الأذهان ... فأستثير "الإثم الكنعاني" ليطارد بقايا العثمانيين والمماليك ... ويقاتل "الهجرات السامية" و "غير السامية" أو يعيد تركيب لوني بعيدا عن حطام الثقافات.

لا أدري إذا كانت "غربة" المنبوذين عن "القبائل" تتداخل مع موسم الهروب من الوطن، حسب ادعائنا، أو الهروب من أنفسنا كما تتجلى ... حيث نحمل أوزارنا وخطايانا ونبني وطننا "المعولم" على سياق الركام الذي ورثناه... ما يضحكني ويبكيني صياح يطعن جسدي بـ"وطن ومواطن" ومن يأتي أولا!!! فإحساسي بأننا لم نرث من الإثم الكنعاني سوى المصطلح، بينما تفوق "الزمن العبري" على مساحاتنا ليعيد رسم "الشتات" أو يكتب متاهات من تراكب التاريخ مع قدرتنا على اختراع "فراديس" متجددة.

عندما ينتابني الإرهاق فلأنني أنثى لا ترى الخصب إلا في "أزمة" ... ما بين النساء والرجال .. ووطن وغربة ... وذكور تعبين ... أنثى تصرخ ثم لا تملك في "الوطن" إلا عفوية الانتماء ... ومن المواطنة بطاقة شخصية وجملة واجبات وحقوق ينازعها البعض عليها ... ومن التشريع إحساس نقص .. فشهادتي ناقصة، وجنسيتي عاقر لا تستطيع الامتداد إلى الأبناء ... والوطن ممتد في داخلي ضحكات أطفال تدغدغ العواطف، وتكتب الجميع داخل ألوان قوس قزح مواطنون ووطن ... فقراء ومعنفات ولاهثون وراء خيالات التراث ... صور لا تنتهي ... وعمر يترك خلفه بقايا كلمات، ثم رواية منسية ومذكرات لن يداعبها البصر لأنها تدعي "الغربة" عن الوطن وهي غريبة عن نفسها ... وتصرخ بـ"الحقوق" وهي تعبث مع ذاتها لأن صورتها ما تزال ناقصة ... وتستمر "الحكاية" من المراهقة وحتى ثواني "الرحيل" شريط من اختلاط "القبيلة" بالمجتمع والوطن بـ"بمضارب القبيلة" ... لكنني أميز لذلك أعشق ... وأتغنى ... ويملؤني شبق الحياة رغم "الغربة" لسيل الأفكار الذي اجتاحني.