هناك ثلاث مسلّمات فلسطينية لا يمكن لأي جماعة او فصيل او حركة او حزب ان يتنكّر لها او لأي منها ، بل ان هذه المسلّمات بقيت وتبقى موضوع تنافس للمناداة بها والدعوة الدائمة للالتزام بها وبضوابطها واملاءاتها.

المسلّمة الاولى.. ان الوطن الفلسطيني (المحتل) هو.. ليس لجماعة دون أخرى ، ولا لفصيل دون فصيل ، وإنما هو وطن الجميع.. جميع الفلسطينيين بغض النظر عن كل تنوّع (ولا اقول تعدد،) بين مواطن فلسطيني وآخر ، سواء كان هذا التنوع فكرياً او طائفياً او فصائلياً. فالجميع.. ابداً الجميع شركاء متساوون في حمل تبعات المواطنة ، بكل ما تشتمل عليه من حقوق وواجبات ومسؤوليات.. ولذا.. فان تحرير الارض المحتلة ، يظل من واجب الجميع ، بحكم ان النجاح في هذه المهمة الشاقة الطويلة الدامية الضارية ، لا تنحصر ايجابياته ، ولا تنعكس تداعياته وأمجاده على فئة دون اخرى ولا على جيل دون آخر ، بل على الجميع.. جميع الفلسطينيين بمن فيهم اجيالهم التي لم تُولد بعد، ،

ومثلما هو شأن النجاح في عملية التحرير ، كذلك هو الشأن نفسه لدى الفشل والتعثر. والفشل والتعثر ، هنا ، يعني ضياع الوطن كله وتواري انسانه وصاحبه ومالكه الشرعي عن مسرح التاريخ،، وعندئذ.. وفي مثل هذه الحال ، لا يعود ثمة ما يميّز او يفرق بين اي جماعة واخرى ، الا بدرجة الاحساس بمشاعر الخيبة والخذلان والهوان وسكينة قبر التاريخ، ،

المسلّمة الثانية.. هي تسابق الجميع الى الاعلان بأن الاقتتال الداخلي ممنوع ومرفوض ، وان الخلاف والاختلاف في الاجتهاد والمواقف أمر قائم وجائز الى ان يصل حدود الدم الفلسطيني الذي هو في عُرف الجميع خط احمر فاقع يُحرّم تحريماً الاقتراب منه او.. مجرد التفكير فيه، ، هذا.. بحد ذاته ، تفكير مسؤول وراقْ وموقف صائب ايجابي لانه يترك الابواب مشرّعة والمجال متاحاً لامكانيات التلاقي والتلاحم ونمو الاحساس والادراك باخوة المواطنة ووحدة الحياة والمصير، ذلك ان اللجوء الى الوسائل والاساليب الدموية في حل المشاكل الداخلية بين ابناء الشعب الواحد ، هو من شأن الشعوب البدائية البربرية التي لا تليق ابداً بالشعوب الحضارية العريقة كشعبنا في فلسطين، فكيف.. وماذا تكون النتيجة عندما يترافق الاقتتال الداخلي واسترخاص المواطن دم اخيه في المواطنة ووحدة المصير ، مع استرخاص هذا الدم نفسه ، من قبل الغزاة الغاصبين القادمين وليس في عقولهم ومشاريعهم الاّ اغتصاب الارض وإبادة اصحابها الشرعيين بذرائع استعمارية وبدوافع خرافية اسطورية تجاوزها الانسان وتاريخ الانسان منذ آلاف السنين؟، ،

واذا كان الاقتتال الداخلي محرّماً وممنوعاً، واذا كان الدم الفلسطيني خطاً أحمر ، وهو ما ينبغي ان يكون ويترسّخ ويتكرّس في العقول والنفوس ، فان الخروج عن هذه المسلّمة والانحراف عن ضوابطها وقواعدها السلوكية لا يعني الاّ ان ثمّة خللاً وثمّة دوافع اخرى ، يختلط فيها ورم الانانيات وتحكّم الجهلاء بحماقة الاغبياء وعمالة العملاء المندسّين ممن يتسترون ، عادة ، بأردية الغيرة والتطرّف،، ومثل هؤلاء إن وُجدوا ، وهم.. مع مزيد الاسى والاسف والغضب ، موجودون ، وبعضهم متنفّذون ، ينبغي محاصرتهم ولجم أضرارهم واخطارهم بشتى السبل العقلانية المتاحة، ، المسلّمة الثالثة.. هي.. شعار الوحدة الوطنية التي هي ايضا موضع تنافس في المناداة بها والدعوة اليها خاصة.. بهذه الايام ،

الوحدة الوطنية في فلسطين لا تعني ، ويجب الاّ تعني ، الغاء الآخر او الالتفاف عليه او.. العمل على تحجيمه ، باستخدام هذه اللعبة.. الديمقراطية،، او تلك، ذلك ان مثل هذه الاساليب لا تفيد بل ربما كانت ابعث على التفارق والتباعد اكثر بكثير من التوحيد، ومخطىء.. مخطىء من توهم غير ذلك، ،

قلناها مراراً ونقولها الآن إن نجاح حماس ، بمبادئها ومواقفها المعلنة ، يُفترض ان يكون - لو توفرت الارادة الواعية - منعطفاً تصاعدياً في مسيرة التحرير، وقبل ايام قلنا بهذه الزاوية ، ان ظاهرتي التصلب والمرونة لدى الطرف الفلسطيني ، هما.. للتكامل ، وليس للتضاد والتقابل ، كما يذهب بعض رموز السلطة ورئيسها الى التوهم،، وفي هذا السياق عمدنا الى تذكير من يهمهم الامر ، بتاريخ الحركة الصهيونية واسرائيلها قبل وبعد قيام دولتها عام 948 ، كان هناك جابوتنسكي وذريته واتباع نهجه مقابل حاييم وايزمن وذريته واتباع نهجه ، فلماذا.. لماذا تنجح (ثنائية) اليهود في باطلهم ، ولا يُراد لمثل هذه الثنائية الفلسطينية ان تحقق اهدافها في مطلبها المحق العادل؟، ،

هذا الكلام.. وهذه المقترحات لا تحتمل التفصيل على صفحات الصحف ، ولذلك.. نكتفي هنا ، بالاشارة اليها ، تاركين للغيارى والمخلصين امر التدقيق فيها والعمل لتجسيدها، ، بهذا النهج.. وبهذه الروحية تتحقق الوحدة الوطنية الفلسطينية المنشورة ، اما اي وحدة وطنية بمواصفات صهيونية وامريكية واستعمارية ، فهي ليست.. ولن تكون الاّ.. كارثة وطنية جديدة.