تحت شعار «إلغاء الدعم التمويني»

عكسَ الجدل الدائر حول قضية إلغاء الدعم التمويني على بعض المواد الأساسية توجه التوجه الاقتصادي للحكومة السورية الذي يسير بشكل سريع جدا باتجاه الليبرالية الاقتصادية

دون وجود غطاء اجتماعي ملائم يحمي الطبقات الفقيرة من النتائج الكارثية لعمليات اللبرلة تلك، ولولا وجود بعض التيارات في الحكومة وخارجها المعارضة بشدة لإلغاء الدعم لكان المواطن اليوم يعاني الأمرين في معيشته التي هي في أحسن الأحوال تتراجع باستمرار بسب ارتفاع الأسعار واتساع الفقر.

قضية إلغاء الدعم التي أثيرت بشكل خجول في مجلس الشعب مؤخرا لم تنل حقها من حيث تحليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها، فالمجلس كعادته ناقشها متأخرا جداً كي يثبت نوعا من الوجود الذاتي لا أكثر ولا أقل، دون أن يتوصل إلى مساءلة حقيقية للحكومة عن نيتها وموقفها تجاه هذه القضية الحساسة جدا بالنسبة لملايين المواطنين في سورية.

السكر والرز والمازوت والخبز تلك المكونات الأساسية لـ50% من الشعب السوري تنوس الآن على طاولات الحكومة تتجاذبها مصالح مخفية مع ضعف سياسات اقتصادية مع تبريرات لا منطقية، في هذا العدد تناقش قاسيون الحجج الواهية للمدافعين عن فكرة إلغاء الدعم وتعرض وجهات نظر بعض المختصين والمهتمين بهذا الشأن كي توضح الصورة الحقيقية والوجه المخفي لقضية الدعم.

انهيار حجج إلغاء الدعم

يدافع مؤيدو رفع الدعم عن المواد التموينية بأن هذا الرفع سيوفر على خزينة الدولة مليارات الليرات السورية سنوياً وبأن الموازنة العامة ما عادت تحتمل تلك المبالغ الهائلة المنفقة على الناس على شكل دعم للمواد التموينية، ولكن ببساطة تنهار هذه الحجة ويبدو عدم منطقيتها إذا ما ناقشناها مناقشة اقتصادية اجتماعية عميقة ومن وجه آخر، حيث نقول أن استرداد أموال الفساد ومكافحة الهدر والتهريب على كل المستويات كافية لتأمين الأموال التي تبحث عنها الحكومة من أجل سد العجز بالموازنة العامة للدولة وقد كانت قاسيون قد فتحت على صفحاتها ملفات موثقة للعديد من عمليات الفساد الحكومي التي تذهب ضحيتها مليارات الليرات سنويا دون أن يتخذ إجراء واحد ضد أولئك الفاسدين ودون أن تعود أموالهم للدولة للمواطنين مرة ثانية.

يقدر الاقتصاديون أن حجم الأموال المنهوبة من الاقتصاد السوري تعادل سنويا ما قيمته 200 مليار ليرة ناتجة عن عمليات فساد وهذا الرقم يعادل ما بين 45% إلى 50% من موازنة الدولة، يضاف إلى ذلك أن التهرب الضريبي الذي يمارسه رأس المال الخاص يقارب سنويا 100 مليار ليرة، يضاف إليها كلها ارتفاع كلف المشاريع الاقتصادية الحكومية بسب تأخر انجازها الناتج أصلا عن عمليات فساد كبير ( فساد في المناقصات، فساد في التعاقد، فساد في التنفيذ ) الأمر الذي يرتب على خزينة الدولة مبالغ هائلة تقدر بالمليارات سنوياً.

أمام كل ذلك الهدر والاستنزاف الكبير للثروة الاقتصادية والتي لم تستطع الحكومة إيقافه حتى الآن نراها تتجه إلى أضعف الحلقات، إلى المواطن لتفرغ جيبه بحجة تخفيف العجز عن موازنتها، أليس تناقضاً كبيراً أن يتحمل المواطن كلفة الفساد وكلفة سد عجز الموازنة وكلفة ارتفاع الأسعار؟ ومن ناحية أخرى بدلا من أن تتجه الحكومة إلى عملية إصلاح اقتصادي حقيقي تعالج فيه الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية توجهت إلى عمليات جمع وجباية أموال دون النظر إلى النتائج الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على هذه العملية.

الحجة الثانية وصول الدعم

يروج مؤيدو إلغاء الدعم أن أحد ضرورات إلغاء الدعم هو أن هذا الدعم يستفيد منه الأغنياء والفقراء على حد سواء وبطريقة لا يصل فيها إلى مستحقيه الحقيقيين والحل الأفضل هو إلغاؤه نهائيا، هذه الحجة تسقط تماماً عن القول بأن السياسات الاقتصادية الفعالة قادرة على توجيه الدعم وإيصاله إلى مستحقيه الفعليين فشريحة الموظفين وأصحاب الدخل المحدود معروفة تماما وشريحة الصناعيين والتجار والمستثمرين معروفة تماما ومستوى دخول جميع الأفراد معروفة وبالتالي فمن الممكن إيصال الدعم إلى مستحقيه دون إلغائه، وهذا مثال جزئي لكنه فعال ويسقط تلك الحجة فالفنادق والمعامل الصناعية التي تدر على أصحابها مئات الملايين سنوياً تشتري لتر المازوت بـ7 ليرات والمواطن الذي يقل دخله عن 6 آلاف ليرة يشتريه بالسعر نفسه، فهل الحكومة عاجزة عن التمييز بين هذا وذاك؟

بعض الأرقام والشواهد

يقول الباحث الاقتصادي سهيل الحمدان بأن الدعم لا يتوقف فقط على السلع التموينية بل أنه ينسحب أيضاً إلى مؤسسات التعليم الحكومي، والملاحظ أنّ أولاد الفقراء يموّلون تدريس أبناء الأغنياء بواقع الحال. فما نسبته 15% من الفقراء يدرسون بمؤسسات الدولة شبه المجانية، في حين 85% هم أبناء الأغنياء.

من جهته يناقش الدكتور حيان سلمان بلغة الأرقام قضية دعم السكر والرز والبنزين ويستنتج بأن ما تروجه الحكومة من أنها تتحمل مبالغ طائلة جدا بسبب الدعم هي حجة غير منطقية ونقدم هنا مثالا عن دعم مادة الأرز حيث يستنتج سلمان بأن المبلغ الذي تتحمله موازنة الدولة نتيجة دعمها لمادة الأرز لا يتجاوز 5 مليار ليرة ويقول " إن هذا المبلغ لا يشكل عبئا على خزينة الدولة خاصة أنه يمكن تغطيته من مصادر أخرى وضمن سياسة سعرية اجتماعية".

والنسبة للبنزين الذي رفعت الحكومة سعره مطلع عام 2006 ليصبح سعره للمستهلك 30 ليرة يقول سلمان إن كلفته في مصافي الدولة لا تتجاوز 7 ليرات وبالتالي فإن الدولة تربح 41% على هذه المادة.

د.قدري جميل: أصبح المجتمع خادماً للدولة

للوقوف على المعنى الاقتصادي الكلي لمسألة الدعم التمويني وعن علاقة هذه المسألة وارتباطاتها الاقتصادية الاجتماعية بمتغيرات الاقتصاد الكلي، التقينا الدكتور قدري جميل ليكمل معنا لغة الأرقام بلغة اقتصادية شاملة، فالدكتور (جميل) يبدأ بطرح التساؤل التالي ألا وهو: من يجب أن يخدم من الدولة يجب أن تخدم المجتمع أم المجتمع يجب أن يخدم الدولة؟ ويجيب عن هذا التساؤل قائلاً: إن نمط التفكير السائد والممارسة الفعلية لدينا على أرض الواقع تثبت أن المجتمع هو الذي يخدم الدولة في حين أن الدولة هي جهاز مصنوع من المجتمع لأجل تخديمه، وتبعاً لذلك فعندما يدور الحديث عن موارد الدولة يجب أن نعرف بأن هذه الموارد ليست هدفاً بحد ذاته بل هي أداة بيد الحكومة لتخديم المجتمع إلا أن الحكومة دائماً تتحجج بعدم وجود موارد كافية وكأن تحصيل هذه الموارد هو هدف الحكومة النهائي، في حين أن تحصيل الموارد هو الأداة بيد الحكومة لأجل إعادة تخديم المجتمع نفسه، والذي حصل لدينا أن العملية انقلبت رأساً على عقب من دولة تخدم المجتمع إلى مجتمع يخدم الدولة من خلال التعامل مع فكرة الموارد، ومن هذا الكلام نشتق فكرة الدعم، فالدعم الذي كان موجوداً لأغلب السلع كان القصد منه أن يغطي جزءاً من الهوة الموجودة بين الأجور والأرباح والحد المطلوب من المستوى المعاشي، وبالتالي عندما نريد أن نقلل الدعم أو حتى نفكر بإلغائه فإن منطق الأمور يقضي بالقول بأن تلك الهوة قد رُدمت وأن التفاوت بين مستوى الأجور والمستوى المعاشي قد تقلص، والسؤال المطروح الآن: هل الفجوة بين الأجور والمستوى المعاشي قد نقصت حتى نخفف الدعم أو نزيله؟ الواقع يجيب على هذا السؤال بالنفي ، فنحن نلاحظ أنه مع إزالة الدعم عن بعض المواد ازدادت الهوة اتساعاً بين الأجور والأسعار.

وفيما إذا كان الدكتور قدري جميل مع مسألة إلغاء الدعم بشكل نهائي وفيما إذا كان هناك إجراءات موازية لها، فإنه يجيب: أنا مع إلغاء العدم بشرط إلغاء الهوة التي تحدثت عنها سابقاً، لكن إلغاء هذه الهوة يحتاج لتأمين موارد تغطي الزيادات بالأجور والسياسات المتبعة حتى الآن في الاقتصاد السوري لتأمين هذه الزيادات هي زيادات أسعار وبالتالي ازدادت الهوة عبر هذه السياسة السعرية والأجرية التي زادت الأجر الرسمي وخفضت الأجر الحقيقي، وحل هذه المشكلة بدوره يمر عبر إجراءين اقتصاديين وبالتالي ننتهي من قضية الدعم، الحل الأول هو إعادة النظر بالعلاقة بين الأجور والأرباح على مستوى الاقتصاد الوطني وحسب تقديري فإن هذه العلاقة في الاقتصاد السوري تتراوح مابين 30% أجور و70% أرباح، لكن حدودها الطبيعية يجب أن تكون 40% أجور و60% أرباح كحد أدنى، وبالتالي يجب إعادة توزيع الدخل الوطني لصالح الأجور ومكمن اختلاف هذه العلاقة هو عدم وجود موارد معبأة اقتصادياً ناتجة عن عوامل ثلاثة هي: الأول هو حجم التهرب الضريبي الذي يعادل 20% من الدخل الوطني والثاني حجم الإعفاءات الضريبية الكبيرة والثالث عدم العدالة الضريبية بين الدخل المحدود والدخل اللامحدود، وهذا معناه أن التشوه كبير بالبنية الضريبية، وفيما لو أصلح هذا التشوه لتوفرت الموارد اللازمة جزئياً لتأمين زيادة الأجور، أما الحل الثاني الاستراتيجي بعيد المدى فهو تأمين معدل نمو اقتصادي متزايد، لكن هذا النمو لا يمكن أن يتم دون توظيفات لم تحصل بالشكل المطلوب، وبالتالي التراكم لم يحدث بسبب الفاقد الكبير بالاقتصاد الوطني الناتج عن تسريب قسم كبير من الدخل الوطني خارج الدورة الاقتصادية للخارج.

وفي التحليل النهائي يرى الدكتور جميل أن إلغاء الدعم ممكن من المنطق الشكلي لكن هذه المنطق يجب أن يترافق مع إجراءات رفع مستوى المعيشة وتعبئة الموارد وزيادة معدلات النمو، وعندها نصل إلى مرحلة لسنا بحاجة فيها إلى دعم...

وفي النهاية لا يمكن فصل مسألة الدعم التمويني والحديث عنها بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية الأخرى كالأجور والأسعار والضرائب والنمو الاقتصادي وبالتالي فإنه عند إصلاح بنية الأجور وربطها بالمستوى المعاشي وحل مشكلة الأسعار وتصحيح البنية الضريبية وتحقيق معدل نمو اقتصادي حقيقي، كل ذلك سيهيئ الجو الحقيقي الذي من الممكن في ظله الحديث عن إلغاء الدعم التمويني وتوجيه أموال الدعم إلى قطاعات أخرى أما دون تحقيق ذلك فإن الاستمرار بتقليص الدعم وإلغاء جزء آخر منه معناه ضرائب اجتماعية اقتصادية جديدة وشديدة ستعترض المجتمع والاقتصاد ولن تكون العواقب سليمة عندها.