نصرالله: رسائل تطمين تمهّد للاستراتيجية الدفاعية

ضمّن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الخميس الفائت (25 أيار) في صور، في الذكرى السادسة لتحرير الجنوب بضع رسائل الى الداخل، ومهّد بها للجولة الجديدة من مؤتمر الحوار الوطني في 8 حزيران المقبل. وتركزت رسائله هذه على إشاعة الهدوء لمقاربة البند الأخير من جدول أعمال الحوار الوطني، وهو الاستراتيجية الدفاعية للبنان في مواجهة الإعتداءات الإسرائيلية:

أكد للرئيس نبيه بري أولاً ان اللحمة قوية بين تنظيميهما، وقد تعدت كونها تحالفاً شيعياً سياسياً.

وللرئيس ميشال عون ثانياً ان تعاونهما مستمر في "وثيقة مار مخايل" التي جمعتهما على موقف موحّد من الاستراتيجية الدفاعية.

ولرئيس الغالبية النيابية سعد الحريري ثالثاً ان الحوار بينهما مستمر وإن في ظل تباين في الرأي في بعض الملفات الشائكة، وقد تبادل وإياه أكثر من إشارة إيجابية كسرت جليداً كانت قد تسببت به سجالات أوساط الرجلين. أهم الإشارات تلك مشاركة وفد من "تيار المستقبل" في احتفال صور، وإبراز إعلام "حزب الله" هذا الحضور، ثم الإتصال الهاتفي الذي أجراه الحريري بنصرالله مهنئاً بالتحرير من غير أن تتخطى المكالمة حدود المجاملة، وكذلك البيان الذي أدلى به الحريري مؤكداً دعم المقاومة.

بدوره بدا نصرالله مهتماً، وهو يتوجه الى فريق الغالبية، بمخاطبة الحريري أكثر من سواه عندما شدد على أن الوزر الداخلي ووطأة المشكلات ولا سيما منها الإقتصادية أثقل من أن تحملها كتف واحدة وفريق واحد، وإن الحاجة هي الى تعاون الأفرقاء جميعاً. وهو بذلك لم يكتفِ برفض ما سمّاه ثنائيات وثلاثيات مذهبية في بناء تحالفات وتكوين أكثريات سياسية للإمساك بزمام السلطة والحكم، بل قصد ضمناً، وهو يسهب في الكلام على تعاون الجميع، أن طاولة الحوار الوطني أضحت المرجعية الفعلية والوحيدة لوضع آلية التفاهم الداخلي.

بذلك رمى الى التحضير لجولة 8 حزيران بابداء رغبته في حوار مجد حيال البند الأخير من جدول الأعمال، وإخراج موضوع الاستراتيجية الدفاعية بتفاهم وطني مواز لقرارات الإجماع الأخرى التي يندرج معظمها في بنود القرار 1559، ثم أتى القرار 1680 ليشمل بندين آخرين لم يلحظهما القرار الأول هما ترسيم الحدود مع سوريا والعلاقات الديبلوماسية معها. على أن جوهر ما نصّ عليه القرار 1559 هو حمل "حزب الله" على التخلي عن سلاحه، وهي المسألة الوحيدة التي ظلت موضع سجال داخلي بعدما أضحى بقاء رئيس الجمهورية في منصبه أمراً واقعاً على الأفرقاء جميعاً في الداخل والخارج. وعبر مطلب تخلي "حزب الله" عن سلاحه تفرّع الحوار الوطني الى هوية مزارع شبعا وتحديدها والاستراتيجية الدفاعية لحماية لبنان من الإعتداءات الإسرائيلية.

وقد تكمن المناورة البارعة التي مرّرها "حزب الله" في أن مناقشة الاستراتيجية الدفاعية ينبغي أن تطوي سلفاً أي سجال عقيم في مصير سلاح المقاومة واحتفاظها به قبل تحرير مزارع شبعا، وتوجيه الإنتباه الى الاستراتيجية الدفاعية، والى أحد الجوانب الأكثر تعقيداً واستدراجاً للسجال والخلاف، وهو تحديد المرجعية المعنية بتنفيذ هذه الاستراتيجية: هل تكون الدولة وحدها أم تشاركها فيها المقاومة؟

فوارق بين الحلفاء

لكن الأمين العام لـ"حزب الله" يجد أكثر من سبب للتقارب مع الحريري في موضوع الاستراتيجية الدفاعية، وهو لذلك يميّز بين موقف رئيس الغالبية وموقفي حليفيه المتشددين حيال هذه المسألة، وهما رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع. وباستثنائهما، لم يتقدّم أحد من الجالسين الى طاولة الحوار الوطني بأفكار واقتراحات وصيغ ردت على ما كان طرحه نصرالله في الجولة الأخيرة من الحوار (16 أيار):

- يختلف مع جنبلاط على استمرار المقاومة في مزارع شبعا، ويطالب الزعيم الدرزي بالعودة الى اتفاق الهدنة لعام 1949 من أجل ضمان استقرار الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وتحديد مهلة زمنية لاحتفاظ "حزب الله" بسلاحه.

- ويختلف مع جعجع على الاستراتيجية السورية التي يقول بها الأخير، وهي دعوته الى الإقتداء بالنموذج الذي تعتمده دمشق في صراعها مع إسرائيل: تحترم تطبيق اتفاق الهدنة في مرتفعات الجولان المحتلة وتتفادى أي مواجهة عسكرية حدودية مع إسرائيل، ولا تشجع على نشوء مقاومة مسلحة خارج نطاق الدولة من أراضيها ضد الدولة العبرية.

أما بالنسبة الى رئيس الغالبية النيابية، فإن خلاف نصرالله معه في الموضوع الرئاسي وإطاحة الرئيس إميل لحود، لم تسرِ عدواه على الموقف من المقاومة لأسباب شتى: أولها أن الحريري لا يصنف المقاومة ميليشيا، وهو بذلك يقف على طرف نقيض مما يقول به القرار 1559. وثانيها أن التزامه دعم المقاومة يشكّل جزءاً من استمرار العلاقة التي سبق أن جمعت والده الرئيس الراحل رفيق الحريري بـ"حزب الله" وأضحت في صلب تراث سياسي خلّفه، وخصوصاً ان الرئيس الراحل أعلن تكراراً، وكشف نصرالله عن جانب آخر من مداولات سرية بينهما، تأييده احتفاظ المقاومة بسلاحها والتزامه جانبها الى حين انتهاء الصراع العربي - الإسرائيلي. وثالثها أن ملاحظات الحريري تقتصر على ما يقتضي الإتفاق عليه في الاستراتيجية الدفاعية وليس على مبدأ استمرار المقاومة حتى تحرير مزارع شبعا.

وتالياً يكمن الخلاف بين الرجلين حيال الاستراتيجية الدفاعية في موقف كل منهما من الدور الذي ينبغي أن يناط بالدولة اللبنانية، والجيش تحديداً، في حماية الأراضي اللبنانية من أي اعتداءات إسرائيلية. إذ فيما يبدو الحريري أقرب الى تبني وجهة نظر جنبلاط وجعجع في العودة الى اتفاق الهدنة، والتعويل على ضمانات دولية توقف الإنتهاكات الإسرائيلية في انتظار التوصل الى تسوية سلمية شاملة في المنطقة لا يبقى لبنان وحده جرحاً نازفاً فيها حتى ذلك الوقت، يرى نصرالله أن ليس ثمة ما يحمله على الثقة بذلك كله. أضف أنه يعتقد أن لا بديل حتى الآن مما طرحه "حزب الله" في الاستراتيجية الدفاعية حيال الضمانات التي يطلبها، في مرحلة ما بعد تحرير مزارع شبعا، في مقابل تخليه عن سلاحه.