تحول في الجزائر... وتفكك في البلقان... وعنف متجدد في أفغانستان!

تعيين عبدالعزيز بلخادم رئيساً للحكومة الجزائرية وموقف فرنسا من ذلك، وعودة العنف إلى المشهد الأفغاني، وتطورات الحالة السياسية السورية، واستكمال بلقنة يوغسلافيا، موضوعات دولية أربعة نستعرضها في جولة سريعة في الصحافة الفرنسية.

حراك سياسي في الجزائر: صحيفة لوفيغارو عنونت افتتاحية كتبها بيير روسلين أول من أمس بعبارة "تصلُّب في الجزائر"، وفيها تحدثت عما اعتبره دلالة سياسية للتغيير الذي أجراه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بتعيينه لعبدالعزيز بلخادم رئيساً للوزراء بدلاً من أحمد أويحيى، ومعرفة الفرق بين توجهات الرجلين السياسية ربما تفيد -حسب رأي الصحيفة- في معرفة الاتجاه المستقبلي للحراك السياسي الجزائري. فأحمد أويحيى، العلماني المنتمي إلى "القبائل"، وزعيم أحد أحزاب التحالف الرئاسي الحاكم، بدا خلال الفترة الأخيرة معارضاً لأي تعديل للدستور للسماح بفترة رئاسية ثالثة، للرئيس بوتفليقة. كما أنه لا يبدي كل تلك الرغبة الكبيرة في الدفع قدماً بسياسة الوئام المدني، وما تقتضيه من مصالحة مع العناصر الإسلامية المتشددة المستعدة للتخلي عن العنف سبيلاً لفرض رؤاها السياسية. أما عبدالعزيز بلخادم، فمعروف عنه، تقول لوفيغارو، أنه ذو توجهات إسلامية محافظة، كما أنه ذو صلة بالتوتر في العلاقات بين باريس والجزائر العاصمة. وبالتالي فإن تعيين بلخادم الذي لعب دوراً كبيراً في عرقلة توقيع اتفاق الصداقة بين بلاده وفرنسا، ليس على كل حال إشارة لقرب انفراج في التأزم في علاقات البلدين حسب افتتاحية لوفيغارو الحادة. أما في صحيفة لومانيتيه، فقد كتب في نفس السياق حسن زروقي وبيير باربانسي، مقالاً بعنوان: "الإسلاميون يأخذون مواقعهم في اللعبة السياسية الجزائرية"، تحدثا فيه عن التجاذب الحاصل منذ عدة أشهر في التحالف الرئاسي الحاكم في الجزائر، ولئن كانت مسألة تعديل الدستور للسماح بفترة رئاسية ثالثة، واستحداث منصب نائب الرئيس، في مقدمة نقاط الاختلاف، إلا أن ثمة ما هو أكثر تعقيداً وعمقاً، حيث إن زعيم حزب جبهة التحرير عبدالعزيز بلخادم القومي- الإسلامي، يجد نفسه أقرب إلى بوجرة سلطاني زعيم "حركة مجتمع السلم"، المنتمي أصلاً إلى "الإخوان"، ولذا كان من المنطقي أن يتحالف الاثنان ضد أويحيى العلماني، الذي لا يشترك معهما في أي من منطلقات الإيديولوجيا، ولا في تأييد بقاء رئيس الجمهورية. أما بقية الديباجات المعلنة كاتهام أويحيى بعرقلة زيادة مرتبات الموظفين العموميين، والإخفاق في الأداء الاقتصادي، فهي مجرد تعبيرات فرعية عن اختلاف الموقف الإيديولوجي، وهي دعوات يمكن أن تصبح ذات أثر شعبوي مفيد في حملات انتخابات 2007 التشريعية، التي انطلقت حملتها المبكرة من الآن تقريباً.

خطر طالبان: خصصت صحيفة لوموند افتتاحية بهذا العنوان للتعليق على أبعاد تجدد أعمال العنف في أفغانستان، مؤكدة أن تجدد القتال هناك لم يأتِ من فراغ. ذلك أن التقدم البطيء جداً في المشروع السياسي منذ سقوط "طالبان" خيب آمال قطاعات واسعة من الأفغان، كما أن اتساع الهوة بشكل مستمر بين الاستحقاقات والوعود السياسية التي قطعت في قمة بون سنة 2001 وبين المنجز على الأرض، كان له هو الآخر دور في تردي الأوضاع في أفغانستان. أما الرئيس حامد كرزاي، الذي صوت عليه الأفغان بنسبة 55%، والذي يحظى بدعم إعلامي خارجي واسع، فقد اصطدم هو الآخر بمصاعب تشكيل حكومة فاعلة وقادرة على الاضطلاع بالمهام الموكلة إليها. أما مقاتلو "طالبان" فيجدون الآن فرصة للمناورة بغية الاستفادة من الإحباط الشعبي من أداء الحكومة والمجتمع الدولي معاً، خاصة أن الوعود بتقديم أموال من قبل الدول الغربية ظل جزء كبير منها مجرد حبر على ورق. وتضيف لوموند، إن كل هذه الأسباب والدوافع على أهميتها ليست مع ذلك كل شيء في عوامل تأجيج العنف. بل الأهم هو ما ارتكبته الولايات المتحدة من أخطاء منذ قضائها على نظام "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، حيث إنها ارتكبت هناك أيضاً من الأخطاء السياسية ما يضاهي أخطاءها في العراق. فقد ركزت أولاً وأخيراً على استراتيجية وحيدة ضمن ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب"، أما عملية "إعادة البناء" فقد أهملتها أو وضعتها على الموقد الخلفي، في حين أن هذه الأخيرة كانت هي الأولى بالاهتمام. غير أن أميركا أيضاً لا تتحمل وحدها المسؤولية عن تردي الوضع، فهنالك عوامل تأجيج داخلية أفغانية مثل بقايا مقاتلي مرحلة الاحتلال السوفييتي، كقلب الدين حكمتيار، الذين لم يتوقفوا عن زرع العنف والرعب. ثم هنالك أخيراً المجتمع الدولي بتقصيره وبخله مع أفغانستان، إضافة طبعاً إلى دور المدارس الدينية في بعض دول الجوار.

تحديات الحالة السورية: في صحيفة ليبراسيون كتب جاك أمارليك مقالاً بعنوان "سوريا بين عدة نيران"، تحدث فيه عن عمليات توقيف بعض المثقفين السوريين في الفترة الأخيرة على خلفية مشاركتهم في كتابة عريضة حول علاقات دمشق وبيروت. ومع أن بعض الأطراف في دمشق تحفظت على هذا الموقف واعتبرته نوعاً من المساندة لقرار مجلس الأمن الصادر في 17 مايو الجاري الداعي سوريا ولبنان إلى تبادل التمثيل الدبلوماسي، وهو ما عُد "سابقة خطيرة، وتدخلاً في الشؤون الداخلية"، إلا أن إجراءً كهذا، يقول الكاتب، لا يمكن إلا أن يزيد من حالة الاحتقان المخيمة على الموقف السوري سواء في مواجهته مع الولايات المتحدة، أم في مواجهة ما عرف منذ وقت بثورة الأرز، المناهضة للوجود السوري في لبنان، والتي ضمت طيفاً واسعاً من السياسيين اللبنانيين منذ اغتيال رفيق الحريري. ولئن كان لدى أميركا من الهم ما يكفيها في الملف النووي الإيراني، وفي المستنقع العراقي، فليس معنى ذلك أنها استبعدت تماماً أسوأ الخيارات للتعامل مع الحالة السورية، يقول أمارليك. هذا إضافة إلى أن لدمشق من أسباب القلق الجدية ما يجب وضعه في الاعتبار أيضاً خاصة لجهة تحالف بازغ بين أبرز معارضين في الخارج، والإشارة هنا إلى "إخوان" البيانوني، وعبدالحليم خدام.

"بلقنة" بلا حدود: صحيفة لوموند نشرت افتتاحية بمناسبة تصويت سكان جمهورية الجبل الأسود على الاستقلال تحدثت فيها عما اعتبرته استمراراً لبلقنة متواصلة ليوغوسلافيا السابقة، فبعد تفكك وحروب التسعينيات، لم يبقَ من جمهورية تيتو السابقة إلا صربيا والجبل الأسود، ولئن كانت الأولى مضطرة من الآن إلى التقوقع على نفسها، فإن انفصال الثانية كان عملياً منذ عدة سنوات نوعاً من الأمر الواقع، بحكم امتلاكها لعلَم وعملة "اليورو" ورغبة في الانفصال والعودة كدولة مستقلة كما كانت منذ قرن. وبعد الجبل الأسود سيأتي الدور على إقليم كوسوفا المنفصل عملياً هو الآخر منذ حرب 1999، والذي يشكل الألبان 90% من سكانه. وهكذا فماكينة "البلقنة"- التفتيت يبدو أنها ستبقى مستمرة في البلقان، مرة أخرى، وإلى أجل مفتوح.