سوسن البرغوتي

نحني رؤوسنا أمام هاماتهم الماجدة، هم الأسرى الصامدين رغم القهر والمعاناة، إلا أن وثيقة إجماع الأسرى البواسل للعودة إلى طاولة المفاوضات، أثار تحفظ شريحة كبيرة من الشعب الفلسطيني حول هذا البند تحديداً. إن إطلاق شعار التمسك بالثوابت الوطنية، وكلّ حسب قناعاته، بات شعاراً مطاطياً يمتطيه المتفاوض والمهرول نحو التطبيع والاعتراف بخصم وليس عدو. هذه المفردة يقيناً هي محاولة لاستبدال واضح لمفهوم الصراع التاريخي مع عدو اغتصب الأرض، وشرد الشعب الفلسطيني.

الحوار الوطني يجب أن يبدأ من دعوة صادقة لرصّ الصفوف، لتلتقي جميع طيوف الشعب حول كيفية الخروج من الأزمة المالية، والعمل كخلية نحل لتقديم نموذج وطني للتكافل والتعاون لحماية الفلسطيني من الجوع والحصار. كما أن لمّ الشمل ومواجهة فرق الموت التي تعيث في الأرض فساداً وفتكاً بالأبرياء يجب في هذه المرحلة أن تؤخذ بعين الاهتمام من قبل وثيقة التحابب والمصالحة الوطنية، إذ كيف نستطيع أن نطالب بحق مشروع وبيتنا الفلسطيني يعاني من الانقسام نتيجة اختلاف الأجندات؟!. كما أن توحد الكلمة الوطنية يستوجب نبذ الفتنة بالقضاء من جذورها، لأنها تعيق أي إنجاز فلسطيني للتحرير، وخنجر مسموم زرعته "إسرائيل" في الجسد الفلسطيني لينشغل عما هو أسمى. وثيقة الوفاق الوطني رغم أنها مقدمة من أسرى نكن لهم كل الاحترام والتقدير، إلا أنها تعتبر ورقة طرح وطني من مجمل أوراق وطنية أخرى، لبدء حوار بناء يجمع ولا يفرق، وإلا سيصطدم الحوار بنقاط الاختلاف نفسها. وهذا ما جعل الرئيس يستبق الحوار بوضع شروط على أرضية الاعتراف بـ"إسرائيل"!.

المسؤولية الوطنية والتاريخية تقتضي أن نضع نصب أعيننا أن المفاوضات ماهي إلا إملاءات على الطرف المهزوم والضعيف في جبهته الداخلية. المفاوضات مررت تنفيذ خطط العدو مستفيداً من جملة تنازلات بسلام مقابل الخرس والصمت على بناء الجدار العازل وتكثيف المستوطنات.ولا أحسب أن أسرانا غافلون عن مسرحية تحرير غزة وأريحا، فما هو إلا تملص محتل من تسيير أمور الأراضي المحتلة، وإلقاء هذا العبء على السلطة والحكومة الفلسطينية بلا سيادة ولا استقلالية، وبخداع الرأي العالمي، وكلنا يعرف أنه محض هراء.

إن هدم معتقل أريحا واقتحام رام الله لاسترجاع المستعربين المندسين دليلاً واضحاً على أن تلك المناطق ليست محررة، وإن الإصرار على المفاوضات مع رفع شعار التمسك بالثوابت الوطنية، يظهر تناقضاً واضحاً في الطرح. فالتكتيك المرحلي مرجعيته المبادئ والميثاق الوطني الأساسي، وليس المعدّل المتناقض مع استراتيجية النضال المعترف بالكيان الاستيطاني.! كما أن ظهور أهمية منظمة التحرير الفلسطينية على حين غرة، دون استقلاليتها لتمثل الشعب الفلسطيني بأكمله، ولا تُصاغ حسب أهواء التابعة له، لم توضحها الوثيقة. فالتعبئة الوطنية وتفعيل كوادر المنظمة مستقلة عن السلطة والحكومة تعطي لجميع الفلسطينيين الحق في التصويت لأي مشروع مستقبلي، وتجبّ وثيقة "الاستقلال" التي أدت إلى تخدير الشعب الفلسطيني واستغفاله لسنوات وتحت شعار موافقة الشعب الفلسطيني بتمثيل الغائب عن إصدار القرارات.

غصن الزيتون يا أبطالنا جفّ وسقط، والبندقية أصبحت في عرف العالم المنحاز"إرهاباً"، فكيف تتمسكون بحق المقاومة والمفاوضات ترفضها تماماً وتعتبرها عنفاً قائماً على أبرياء المجتمع الصهيوني، في حين الغارات "الإسرائيلية" المستمرة مبررة.؟ الشعب الفلسطيني احتكم إلى الشرعية الدولية، فماذا منحنا العالم الغربي وأمريكا ومجلس الأمن.؟ الحصار الظالم هو أحد نتائج استجداء تلك الشرعية القائمة على تثبيت حدود "إسرائيل" من العراق مروراً بغور الأردن حتى مصر. واعتبار أن مهمة منظمة التحرير إدارة المفاوضات، يثبت حق الكيان الصهيوني بحيفا وصفد والنقب والعريش. فكيف سيكون حق العودة و "إسرائيل" ترفض جملة وتفصيلاً حقنا ببيوتنا وأراضينا في فلسطين الـ48، ومن سيعطي تصاريح لعودة اللاجئين.؟ وبيدهم الموافقة أو رفض زيارة وليس عودة أي فلسطيني إلى بلاده؟!.

الوثيقة بالبند المحدد الذي جاء بها أقل بكثير من طموحات الشعب فلسطيني لمواجهة احتلال وليس خصم. فالوثيقة رسمت حدود الدويلة الفلسطينية حتى عام 1967 أي عام النكسة، ورمت بجملة اعتراضية تجميلية "بضمان حق العودة"، فهل الخطاب موجه للاستهلاك المحلي أم إلى الشرعية الدولية التي أقرت بحق العودة 194 منذ عام الـ 48، وُركن إلى أجل غير مسمى، ولم يُطبق حتى بحق الزيارة؟، ولا أقول إنني أتحدى أي من سلطتنا أن يدخل فلسطيني واحد من فلسطينيي الشتات دون موافقة مسبقة من العدو الصهيوني. وعلى هذا فإن رفع الشعارات الوطنية دون دعمها من خلال المقاومة وحق النضال أمر عبثي، كما أن بناء إعلام فلسطيني موجه للتعريف بالكم الهائل من الظلم بدءاً من مذبحة دير ياسيين وصبرا وشتيلا وانتهاء بسرقة واختطاف المناضل سعدات وصحبه، وتجسيداً واضحاً للجدار الخانق ونتائجه المدمرة، ضرورة وطنية وملحّة، وإلا سنبقى "راوح مكانك"، وإعلامنا الفلسطيني يختطف التصريحات النارية دون التحرك لتفعيلها على أرض المعركة.

عندما نتحدث عن أجهزة أمنية متطورة على أساس عصري، والبنية التحتية الفلسطينية مدمرة، فكأننا نشيد قصورا في السراب، فالأجهزة الأمنية الفلسطينية المفترض أنها لأمن الفلسطيني وتعمل بخندق واحد مع المقاومة، وليس لتطويرها لخدمة أمن "إسرائيل". لقد استطاع الكيان الصهيوني أن يُرغم الغرب على دفع تعويضات مدى الحياة على شبهة محرقة لم تستهدف غير ما هو نازي أو صهيوني، وهذا مؤسس على رؤية واحدة واستراتيجية واحدة تعتمد على اقتصاد وإعلام مركز، فماذا فعلنا نحن في هذا الصدد.؟ الأموال تذهب أدراج الرياح ولا أحد يُسأل أو يُطالب باسترجاعها إلى الخزينة المالية، وما خفي كان أعظم في موسوعة الفساد.

لن يموت حق وراءه مطالب، ولكنه يتراجع لاستجداء دول الانحياز و"إسرائيل" للعودة إلى طاولة "التنازلات". سياسات العدو واضحة، فما هي السياسة الوطنية الفلسطينية بالمقابل.؟ و"إسرائيل" تضرب بعرض الحائط قرارات محكمة العدل الدولي التي تطالب بهدم الجدار وتفكيك المستوطنات، ولم يلتزم العدو بتنفيذ أي بند من هذه البنود ولا غيرها سابقاً ولاحقاً.

إن الاستفتاء المطروح محصوراً بأراضي الضفة والقطاع، والمقاومة لا تتعدى تلك الحدود، وبهذا لخصت واختزلت الورقة الوطنية طموح الشعب الفلسطيني بحقوقه في فلسطين كاملة وحقّه بالعودة ليقتصر الأمر على حدود الـ 67 .. والله أعلم.! فهل هذا هو سقف طموح وأماني الشعب الفلسطيني.؟ وهل من أجل هذا الفتات قدم الشعب الفلسطيني التضحيات والصمود والصبر.؟ أسئلة أتمنى أن يضعها المجتمعون في رام الله وغزة أمامهم، وأمام ضمائرهم على طاولة الحوار الوطني الفلسطيني.