عندما ودعنا الصديق عبد العزيز الشخاشير الى المثوى الرضي، لاحظت ان طربوشاً احمر قد وضع فوق كفنه. ويبدو انه اعتمر الطربوش في شبابه. وقد رأيت الطربوش ينقرض في صغري شيئاً فشيئاً. وكان جدي، تامر، آخر وأحب من اعتمره في العائلة. وفي شبابنا لم يكن قد تمسك بالطربوش سوى بضعة رجال، اشهرهم رئيس الوزراء تقي الدين الصلح، يخفي به صلعة جلية يحمي ذكاء المعيا. عندما صدرت رواية «الطربوش» للصحافي المصري الفرنسي (الموند) روبير سوليه قبل سنوات، اجتذبني اليها شيء واحد، هو العنوان. وسرّني شيء واحد، هو العنوان. وسرني سروراً شديداً ان يكون «الطربوش» هو البطل. بل الا تكون الرواية رواية بالمعنى التقليدي، وانما نوع من التاريخ «لمسيرة» غطاء الرأس الاحمر الجميل. مع شرّابته طبعاً. اياك ان تنسى الشرابة. كحلية طبعاً، لا سوداء. دعك من اللون الاسود في الشرّابات.

يخبرنا روبير سوليه (المتكرر الروايات حول مصر التي يحن اليها) ان ابراهيم باشا هو الذي ادخل الطربوش الى مصر. «لقد كان رائد الحداثة. فهو الذي بدّل الارائك في المحاكم بالكراسي. وهو الذي حطّم عصي العسكر. وأمر بتنظيف الشوارع مرتين في النهار». لقد كان هناك عدو ضار للطرابيش. انه كمال اتاتورك الذي اعتبر الطربوش علامة تخلف. وقد طاف بالريف التركي يقول: «اخلعوه. لا دلالة دينية له. انه من اصل يوناني لا تركي». وعندما اخفق في الإقناع لجأ الى الإكراه. واصدر قانوناً يقول ان الطربوش يمس بأمن الدولة. واطلق شرطته خلف المخالفين. وراحت الطرابيش تداس في الارض ومعتمروها يساقون الى السجون. وكثيرة كانت سجون اتاتورك.

عاش «الطربوش» في مصر زمن الباشاوات والبهوات. وكان زمن دلال وفقر معاً. ابهة في المدينة وذل في الريف. 160 الف اجنبي يملكون سبع الارض الزراعية في مصر. ولا يخضعون لضرائبها. ولا لقانونها ومحاكمها. يتنقل روبير سوليه، الذي ترك مصر وهو في السابعة عشرة، في تاريخ القرن الماضي من بداياته الى زمن الثورة. فمع مجيئها سوف يغيب «الطربوش» ولن يعود رمز مصر واناقتها. ولن يبقى فيها الكثيرون من الشوام، لبنانيين وسوريين، الذين صنعوا صحافتها. لكن بعض هذه الصحافة كان خادماً للانكليز في حين يعلن القبطي مكرم عبيد انه سوف يظل في حداد الى ان يغادر آخر جندي بريطاني ارض مصر.