هل يتم التوصل في جلسة الحوار المقبلة الى اتفاق على موضوع "الاستراتيجية الدفاعية"، خصوصا بعد اطلاق الصواريخ "المجهولة المصدر"، ام تنتهي بعدم الاتفاق كما حصل في موضوع "ازمة الحكم"، اي رئاسة الجمهورية، فتكون النتيجة بقاء سلاح المقاومة الى اجل غير معروف كما ادت نتيجة عدم الاتفاق على مصير الرئاسة الاولى الى بقاء الرئيس لحود حتى نهاية ولايته ما لم يطرأ ما يفرض اختصارها؟

الواقع، هناك رأيان متباعدان حول موضوع "الاستراتيجية الدفاعية": رأي لا يبحث عن تحديد مدة لانهاء وظيفة سلاح المقاومة، بل يبحث عن دور لهذا السلاح يبرر الاحتفاظ به الى ان يتحقق السلام الشامل في المنطقة او اقله تحقيق سلام بين سوريا ولبنان من جهة واسرائيل من جهة اخرى، ولا يكون تحرير مزارع شبعا كافيا للتخلي عنه، بل تحرير الجولان ايضا.

لقد اقترح الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في دراسته المسهبة حول مفهوم "الاستراتيجية الدفاعية" قيام تنسيق بين المقاومة والجيش اللبناني في مواجهة العدو الاسرائيلي. وكلمة "تنسيق" تطرح اسئلة عدة عند مناقشة هذه الدراسة في الجلسة المقبلة، من بينها: كيف يتم هذا التنسيق؟ هل عبر لجنة مشتركة من المقاومة والجيش؟ وما هي مهمة هذه اللجنة؟ وهل هي التي تقرر توقيت الرد على اي عمل عسكري اسرائيلي يستهدف لبنان، كي تكون السلطة مستعدة لمواجهة رد الفعل في كل المجالات؟ اذا لم يتم الدخول في تفاصيل معنى التنسيق، فانه يُخشى ان تواجه السلطة ما واجهته عند عقد اتفاق القاهرة عندما اكتفت بما نص عليه بند في هذا الاتفاق وفيه: "من المسلّم به ان السلطات اللبنانية، من مدنية وعسكرية، تستمر في ممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها كاملة في جميع المناطق اللبنانية وفي جميع الظروف" فكانت النتيجة ان السماح للفلسطينيين المقيمين في لبنان بالمشاركة في الكفاح المسلح "ضمن مبادئ سيادة لبنان وسلامته، ان هذا الكفاح لم يحترم هذه السيادة ولا سلامة لبنان ولا مكّن السلطات اللبنانية مدنية كانت ام عسكرية من ممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها كاملة في جميع المناطق اللبنانية وفي جميع الظروف.

لذلك، فإن بعض المتحاورين الذين ليسوا من رأي السيد حسن نصرالله في شرحه لمفهوم "الاستراتيجية الدفاعية" يرون ان لبنان معني بتحرير مزارع شبعا فقط، ولكي يتم هذا التحرير لا بد من تثبيت ملكية لبنان لهذه المزارع وفقا للاصول بحيث تصبح خاضعة لاحكام القرار 425، اما اذا لم يتم ذلك، فان هذه المزارع تبقى في نظر الامم المتحدة ارضا سورية خاضعة للقرار 242 الذي يقضي باجراء مفاوضات مع اسرائيل توصلا الى اتفا ق على الانسحاب منها ومن الجولان ايضا، ولا شيء يدل على ان اسرائيل مستعدة للانسحاب من الجولان وحتى من مزارع شبعا من دون مفاوضات اذا ظلت معتبرة سورية.

ويضيف اصحاب هذا الرأي ان سوريا اذا ظلت مصرة على رفض ترسيم حدود مزارع شبعا لتبرير احتفاظ المقاومة بسلاحها وبالتالي ربط مصير المزارع بمصير الجولان، فان على السلطة اللبنانية ان تعتمد الاستراتيجية الدفاعية التي تعتمدها سوريا في مواجهة اسرائيل عملا بمبدأ "وحدة المسار والمصير" وهو مبدأ يطبق عندما يكون لمصلحة سوريا ولا يطبق عندما يكون لمصلحة لبنان.

وهذه "الاستراتيجية" تقضي بابقاء الجبهة السورية واللبنانية هادئة مع اسرائيل، وعندها لا يبقى مبرر لخروق اسرائيلية، بدليل ان لا خروقات اسرائيلية مع سوريا لان جبهتها هادئة انما تستمر الخروقات مع لبنان لان جبهته غير هادئة، واذا اتفق البلدان: سوريا ولبنان، على مواجهة اسرائيل من اجل تحرير ما تبقى من اراضيهما التي تحتلها اسرائيل، وبعد تاكدهما ان لا تحرير لها بالوسائل الديبلوماسية، بل بالقوة، فلا يبقى الجنوب وحده الجبهة المفتوحة بل الجبهة السورية ايضا.

اما القول بان الجيش اللبناني لا يستطيع وحده مواجهة الجيش الاسرائيلي نظرا الى الفارق الكبير بين قوة كل منهما، وانه لا بد من دور للمقاومة لارباك الجيش الاسرائيلي، اذ انها تضرب وتختفي فيما الجيش يضرب ويظل مكشوفا امام الرد الاسرائيلي على مواقعه او على ثكنه، فهو قول غير منطقي، لان اسرائيل عندما تضرب سواء ردا على المقاومة او على الجيش، فانها تضرب، كالعادة، البنى التحتية في لبنان كونها عصب حياته فاذا ضُربت هذه المرة فمن يعيد بناءها؟ ومن اين المال؟ وهل يتحمل الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي الهش عواقب هذه الضربة؟ واذا ردت المقاومة على اسرائيل بالصواريخ التي تملكها واستطاعت تدمير ما تطاله داخل اسرائيل، فان الاقتصاد الاسرائيلي والمساعدات التي تستطيع اسرائيل الحصول عليها كفيلان باعادة بناء ما تهدم، وهذا معناه ان لا تكافؤ بالضرب ولا بحجم التدمير، وهذا ما جعل العرب في الماضي يعتبرون لبنان دولة مساندة وليس دولة مواجهة.

الى ذلك فليس امام المتحاورين في رأي بعضهم للوصول الى اتفاق على "الاستراتيجية الدفاعية" سوى الاختيار بين ثلاثة امور:

اولا: اقناع سوريا بالموافقة على ترسيم حدود مزارع شبعا لتثبيت ملكية لبنان لها توصلا الى تحريرها بالوسائل الديبلوماسية واذا تعذر ذلك فبالمقاومة التي تصبح عندئذ حقا مشروعا له، وتتخلى المقاومة بعد تحريرها عن سلاحها ويسود الهدوء على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية ولا يبقى مبرر لقيام اسرائيل بأي خروقات.

ثانيا: ان يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الامن والدفاع عن لبنان في وجه اي اعتداء اسرائيلي لان تسلم الجيش هذه المسؤولية يُسقط اي مبرر لاسرائيل كي تعتدي على لبنان والا تحملت المسؤولية امام المجتمع الدولي ويصير وضع لبنان في هذه الحالة مثل وضع سوريا التي يتولى جيشها الدفاع عن حدودها، ولا يعتدي عليه الجيش الاسرائيلي ما دام الهدوء يسود الجبهة مع اسرائيل على رغم ان الجولان لا يزال محتلا، وهو ما ينبغي ان يسود جبهة الجنوب بوجود الجيش اللبناني كمسؤول وحيد عن الامن حتى وإن ظلت مزارع شبعا محتلة وهي لا تقاس بشيء بالنسبة الى الجولان المحتل. لكن ما يجعل جبهة الجنوب غير هادئة ولبنان يتعرض للخروقات والاعتداءات الاسرائيلية هو وجود المقاومة وفصائل فلسطينية غير منضبطة، الامر الذي يسبب حصول فعل ورد فعل، وهو ما لا يحصل بوجود الجيش اللبناني بحيث يشكل اي اعتداء اسرائيلي عليه اعتداء على دولة عضو في الامم المتحدة ويستدعي تدخل مجلس الامن.

ثالثا: وضع "استراتيجية دفاعية مشتركة" بين لبنان وسوريا بحيث يتصدى البلدان لعدوان اسرائيلي على اي منهما. وهذه الاستراتيجية تقضي اما بجعل حدود لبنان مع اسرائيل هادئة كما هي بين سوريا واسرائيل، الى ان يتحقق السلام بين الاطراف الثلاثة، او الى ان يتحقق السلام الشامل كما يدعو الرئيس لحود شرطا لبقاء سلاح المقاومة، واما بتحرير الجولان ومزارع شبعا بالمواجهة العسكرية مع اسرائيل، فتفتح عندئذ جبهة مزارع شبعا وجبهة الجولان ضد اسرائيل وتتلقى سوريا ما يتلقاه لبنان فلا يظل لبنان هو الذي يتلقى وحده ضربات اسرائيل والآخرون يتفرجون عليه، ولا يظل ايضا كما كان على مدى سنوات طويلة، ساحة مستباحة للفعل ورد الفعل وللصراعات الاقليمية والدولية، وقد دفع غاليا جدا ثمن ذلك من اقتصاده وامنه وسيادته.