محمــــــد ح. الحــــــاج

" الغيتو" الفلسطيني متفق عليه بين المحافظين وغلاة الصهاينة في تل أبيب

في الجعبة الصهيونية الكثير من الخطط التبادلية للمصير الفلسطيني ، ولأن هضم الضفة الغربية في حكم المستحيل ، فإن مخطط المعازل الخاصة بالفلسطينيين ليست جديدة وهي مرسومة ومقررة قبل ما أطلق عليه فشل مفاوضات المرحوم عرفات – باراك ، برعاية الرئيس الأمريكي كلينتون ، والحقيقة أن الخلاف لم يكن على بضعة أجزاء من المئة من أراضي الضفة الغربية، وإنما كان الخلاف الأساس على مصير القدس التي يرفض الصهاينة رفضاً قاطعاً الانسحاب منها والخضوع للقرار الدولي باعتبارها أرضاً محتلة كباقي الأراضي والمدن والبلدات التي تم الاستيلاء عليها بالقوة في العام 1967 ، وكون الرفض الفلسطيني للمقترحات الصهيو – أمريكية بخصوص القدس كان مؤكداً فقد تم عرض بعض التنازلات في مواقع أخرى على عرفات وتأمين طريق للوصل بين غزة والضفة وغير ذلك من المغريات ، وكان الصهاينة يدركون بأن الرفض سيكون مبرراً للتراجع والظهور أمام الرأي العام العالمي بمظهر" الكرماء والشجعان " وكان أن وصفهم صقور أمريكا وحمائمها بأنهم قدموا تنازلات " مؤلمة " ...!!! وكأنهم يقدمون فعلاً ما هو ملك لهم ، وهذا ما يتناقض مع المنطق والحقيقة والتاريخ، لكنها ،... أباطيل العصر، ومنطق ... حق القوة ، والكثير من الخنوع والصمت العربي والتواطؤ الدولي .

قبل أن يأمر السيئ الذكر شارون بمباشرة بناء جدار المعازل الفلسطينية وقضم أراضي وبيارات المدن والبلدات الفلسطينية ، وهدم الكثير من المنازل وتشريد سكانها ، واقتلاع عشرات آلاف الأشجار ، كان المخطط معروفاً بل ومنشوراً في مواقع أمريكية ، وكان يتبناه الصقور والمحافظين على حد سواء في أمريكا ، بل كانوا أكثر من ذلك يزاودون على قادة الليكود والأحزاب الصهيونية المتطرفة، ويطالبونهم بعدم التنازل عن أي جزء من الأراضي المحتلة ، وقبل أكثر من سنتين ، صادف أن زار منطقتنا المناضل بسام الشكعة محاضراً ومتحدثاً عن معاناة الأهل في فلسطين، فقدمت له الخريطة المرفقة ، مع علمي الأكيد بأن كثيراً من متابعي المواقع الدولية على شبكة المعلومات العالمية من الإخوة الفلسطينيين قد اكتشفوها واطلعوا عليها، وأطلعوا عليها الكثير من القيادات الوطنية الفلسطينية ، كنا ندرك أن كل عمليات التفاوض والحوار والتباحث ستكون عديمة الجدوى مع عدو من هذا النوع ، تدعمه قوة عظمى ولها مشاريعها الإمبراطورية في المنطقة والعالم كله .

من أهم مقومات الدولة أن يكون لها حدود مع أكثر من دولة ، أو أن يحيط بها البحر أو المحيط إن كانت جزيرة ، وأن تسيطر على أجوائها، ومياهها ، وأن يكون لها جيش وكل مقومات الحياة الأخرى ، * - الدولة التي يتبنى قيامتها بوش الصغير ومحافظيه ، وشركاه الصهاينة ، ليس مسموحاً لها أن تتشارك في الحدود مع محيطها الطبيعي ، وهكذا رسموا ، وحسب التصور الصهيو – أمريكي ، حدوداً جديدة لها بحيث يحيط بها " البحر الصهيوني " من جميع الجهات، حتى بحر غزة ، تسكنه البوارج والزوارق الصهيونية ويمنع على الصياد الفلسطيني ممارسة كسب رزقه، وفي معازل الضفة ... ، غير مسموح لفلسطيني أن يحصل على ماء الشرب خارج الموافقة الصهيونية ، ثم ، وحسب المخطط الجديد فإن المدن الفلسطينية الكبرى خسرت معظم أراضيها وبياراتها ، وزالت من الخريطة الكثير من القرى الصغيرة والتجمعات السكانية ليلتحق أصحابها بالمخيمات ، حتى في وطنهم الأصلي ، ويكفي أن ينظر أي منا إلى الخريطة التي وضعها ورسمها غلاة الصهاينة وبدعم أمريكي ، حتى يدرك أية دولة يعنيها بوش بقوله ورؤيته لدولتين تعيشان معاً ، ومن يفكر بإمعان يدرك كيف لدولتين أن تعيشا معاً ...! ، بل الصحيح ، أن تعيش إحدى الدولتين قسراً في بطن الدولة الأخرى وهي فاقدة لكل مقومات الحياة والبقاء .

يتحدثون عن انسحاب صهيوني من غزة، وكأنه انسحاب عن طيب خاطر، أو كأن غزة أصبحت حرة في اتصالها وتواصلها مع مصر المجاورة لها والتي تشكل موضوعياً عمقها، وشريان الحياة لأبناء القطاع الذي انتقل من تحت الاحتلال المباشر إلى كونه أصبح سجناً محاطاً بكل أنواع التجهيزات والحراسات ، - براً وبحراً وجواً - وحتى لو غادر الصهاينة المعابر فهي لا زالت تحت سيطرتهم يفتحونها ويغلقونها ساعة يشاءون، أو يوكلون المراقبة إلى عناصر دولية يختارونها ، والمؤكد أن مثل هؤلاء المراقبين ليسوا حياديين بالمطلق بل هم يمارسون نهجاً صهيونياً في الرقابة والتضييق على الفلسطينيين ويتحكمون حتى ببضعة آلاف من الدولارات قد يرغب أحد التبرع بها لسد رمق بعض الجياع أو مداواة بعض المرضى ، بذريعة تجفيف مصادر تمويل " الإرهاب" ، والكل يدرك أن أكثر وأخطر أنواع الإرهاب هو الذي تمارسه أمريكا في طول العالم وعرضه، وما يمارسه الشريك الصهيوني على أرض فلسطين وفي كل الأراضي المحتلة في الجولان وجنوب لبنان، وأغوار الأردن . * - خريطة الدولة العتيدة ، حسب رؤية بوش وشركاه .

- ممنوع على الفلسطينيين أن يتصلوا مع الأردن ، أو مع الشام، أو أن يكون لهم منافذ برية ، أو جوية ( فقد حرثوا مهابط مطار غزة بالبلدوزرات ) ولا حتى بحرية .

- ممنوع أن يسيطروا على حوض للمياه الجوفية أو أن يستخرجوها لسد حاجتهم .

- ليس من حق أحد أن يمارس حرياته كمواطن مستقل في دولة مستقلة ، بل تحت سلطة تخضع لإدارة دولة الصهاينة .

- لا أجواء لهذه الدولة ، بل أجواء مفتوحة أمام الطيران الصهيوني الذي يُستخدم لقنص واغتيال من يعارض الاحتلال ، والحلول التي يطرحها المحتل.

- الدولة الفلسطينية الموعودة ، ثلاثة أجزاء ، اثنان منها في الضفة الغربية، ويعادلان أقل من النصف من مساحة الضفة ، وقد فقدت جنين وقلقيلية ورام الله وبيت لحم والخليل معظم أراضيها ، بينما أصبح أهل القدس في مهب الريح، وأريحا ومحيطها في مصير مجهول ..!

- ليس من حق الدولة الفلسطينية أن يكون لها اتصالها وتواصلها وعلاقاتها المستقلة مع دول العالم، ومؤسساته، وبنوكه بعيداً عن الرقابة والتدخل الصهيو – أمريكي ، وعلى دول العالم أن تلتزم ..!.

  • - ويتساءل المواطن الفلسطيني العادي عن المنطق الذي يعتمده الأفاك بوش وزبانيته في دعوته (أي دعوة الفلسطيني) لقبول هذا المخطط وهذا الحل البعيد كلياً عن المنطق والعدالة ...؟.

- كما يتساءل عن سر دعوة بعض القيادات الفلسطينية إلى إسقاط منطق المقاومة، والتخلي عن السلاح، والاستمرار في التفاوض ، ربما إلى ما لانهاية ..! وعلى أي شيء يكون التفاوض، طالما أعلن العدو عزمه على رفض كل القرارات الدولية التي تحظر الاستيلاء على الأرض بالقوة، أو التي تسمح بعودة اللاجئين إلى ديارهم وأملاكهم ..!.

- وأيضاً عن خفايا قبول غالبية العرب، أو صمتهم على التوصيف الصهيو – أمريكي للمقاومة والمقاومين على أنها إرهاب، وأنهم " إرهابيون " ...! . ومشاركة البعض في فرض الرقابة والحصار على تسرب أي سلاح، بل واعتقال المقاومين وتسليمهم للصهاينة ..! وهل سقط من القاموس الجديد مصطلح حق وشرف مقاومة المحتل والعمل للتحرر والتحرير ..!.

وحتى لا تكون إطالة، ولا يكون تكرار، إلا بما يفيد القضية ، نختصر القول بأن غالبية الشعب الفلسطيني يؤمن ، ونحن نشاركه، بأن استمرار المقاومة هو الطريق الوحيد للحصول على الحقوق ، كما يؤمن، ونؤمن نحن معه بأن لا حق لصهيوني، أو يهودي بشبر من أرض فلسطين ( باستثناء اليهود من أبناء بلاد الشام، حيث لهم ما لأبناء بلاد الشام من حقوق طالما أخلصوا لمواطنتهم ورفضوا الفكر العنصري الصهيوني ) وهذا معتقد راسخ في نفوسنا لا يمكن أن نحيد عنه أو نكفر به حتى ولو بلغت القوة الأمريكية عنان السماء ، ونؤمن بان" إسرائيل " ستزول ليس من منطلق الإيمان بما قاله الشيخ حسن نصر الله فقط ، بل انطلاقاً من تجارب التاريخ التي لا يرغب المحتل ولا من يدعمه بأن يعتبر بها ، وها قد خرجت فرنسا بالأمس من الجزائر بعد قرن ونصف، وكان يقال في أوساط المستعمر أن الجزائر" فرنسية " كما هي كورسيكا، أو كما خرجت تركيا من امتدادها الإمبراطوري ( وكان غطاؤه الدين ) ، وجلت بريطانيا العجوز عن كثير من بقاع الدنيا كما عن الشرق والغرب الأمريكيين ، فأصبحت تغيب عنها الشمس كما تغيب عن الآخرين ... تماماً ، وها أن دولة الصهاينة لم تتجاوز النصف قرن إلا بقليل، وأمام الفلسطينيين ومن يدعمهم في طول بلاد الشام وعرضها طريق طويل تتخلله الآلام والمصاعب، ولكن ..، من قال أن الحرية تعطى هبة...؟ وأن طريق التحرر مفروشاً بسجادة حمراء ... ربما ، فقط بدماء الشهداء تكون السجادة من تراب الأرض .

[email protected]