أجواء الغضب والتوتر التي سيطرت على بيروت وضاحيتها ليل الخميس - الجمعة، أعادت الى الأذهان ذكرى سيئة تؤرخ بـ6 شباط (فبراير) 1984. واستطراداً ترافق الاستنفار الشعبي المحتج على تشخيص السيد حسن نصرالله في برنامج «بسمات وطن» على الـ «ال بي سي»، بمقارنات مع أزمة الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية التي شخصت الرسول عليه الصلاة والسلام في مشاهد «إرهابية». فكما أن الكاريكاتور لم يُقبل آتياً من صحيفة دنماركية، فإن الكاريكاتور استنكر هنا ايضاً آتياً من برنامج تلفزيوني ساخر لا يوفر أحداً من السياسيين.

الاشاعات كثيرة في بيروت، خصوصاً في ما يتعلق بتقرير المحقق الدولي سيرج براميرتز. موعده في 15 حزيران (يونيو). وما حصل في بيروت والضاحية الليلة الماضية جعل كثيرين يميلون الى تصديق اشاعة تتوقع حصول «شيء ما» في لبنان عشية صدور التقرير. لماذا؟ لأن التوقعات تذهب في اتجاه أن التقرير المقبل سيكون بمثابة قرار ظني واتهامي، وبالتالي فإنه قد يسمي متهمين سوريين ولبنانيين... لكن أحداً لا يستطيع أن يدعي معرفة أي شيء دقيق ومؤكد عن التحقيق أو عن التقرير، ومع ذلك فإن المخاوف والوساوس والتعبئة الطائفية المحمومة كفيلة بأن تصنع «المعجزات».

من تلك «المعجزات» أن ينجح «محور الأشرار» في دفع البلد الى حرب أهلية أو ما يشببها، فقط لأن هناك خلافات مستحكمة في وجهات النظر والمواقف من القضايا المطروحة، من سلاح المقاومة الذي يفترض أن يكون موضع نقاش وتجاذب خلال الأسبوع المقبل وفي إطار ما يسمى بـ «الحوار الوطني»، الى البرنامج الاقتصادي الذي وضعته الحكومة، الى الاصلاحات الأخرى، وخصوصاً مشروع قانون الانتخابات. والمفارقة البارزة هي أن الطرف الذي اختار الشغب والاعتراض لا يعتبر أنه معني لا بالاصلاح ولا باقتراح أفكار أو مشاريع للاصلاح، ولا يرى أن مصلحة البلد تكمن في دعم مساعي الحكومة واتصالاتها للحصول على مساعدات دولية. هذا الطرف لديه مهمة واحدة هي تجميد البلد عند نقطة معينة، فإما أن يخضع التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري لتغييب الأدلة واعتبار الجريمة لغزاً غير قابل للحل، وإما ان يصار الى «تدفيع» البلد ثمن اصراره على المضي في التحقيق توخياً للحقيقة. والمشكلة ان الانقسام بين اللبنانيين بات يشمل ايضاً هذه الحقيقة، فكل جانب يريد ان يعرف الحقيقة التي تعجبه. لكن هناك فريقاً قد لا يبقى «منضبطاً» إذا جاءت الحقيقة على غير ما يهواه، خصوصاً إذا كان في خط واحد مع المتهمين المفترضين.

فريق الجمود المدعوم جيداً من دمشق لا يزال يحقق انجازات. أهمها ان يبقى رئيس الجمهورية في منصبه ليستمر لبنان في الاستفادة من حكمته وتبصره وحسن تصرفه. ومن بين أهم الانجازات ان يحال دون استقبال رئيس الوزراء في دمشق، في حين ان رئيس المجلس يذهب ويقابل ويتحادث ويعود كأنه لا أضر ولا نفع. ومن بين الانجازات ايضاً ان تدعى الحكومة الى عدم الاعتماد على مجلس الأمن أو على واشنطن لأن اي اتصال معهما بات يعتبر جزءاً من «حرب على سورية»... وأخيراً توصل حزب الجمود هذا الى اطلاق نظريات جديدة في علم الاقتصاد، مفادها ان المقاومة يمكن ان تكون جذابة للاستثمارات الخارجية.

لا بد ان تكون الصيغة المقبلة بالغة الذكاء لتبرير الاستمرار في «حوار وطني» قد يكون بدأ يفقد وطنيته وحواريته، لا لشيء إلا لأنه أصبح مجرد بؤرة لتعطيل أي حل عملي واضح في تعبيره عن مصلحة البلد، وحتى عندما يتفق على شيء مثل ترسيم الحدود او السلاح الفلسطيني فإن كل جهد يبذل للاستهزاء من هذه «الاتفاقات» والتقليل من أهميتها واعدام أي فاعلية قد تتمتع بها. لا يمكن ان تكون الوظيفة الوحيدة للحوار ان يبدد الاحتقان، لأنه إذا لم يعالج أسباب الاحتقان فلا بد ان يفاقمه وعندئذ فإنه قد يتسبب بعناصر أخرى للتفجير.