محمـد العبـد اللـه

بعد انتظار إمتد عدة أشهر، أعقب ظهور نتائج الانتخابات العراقية، الفاقدة لشرعيتها القانونية والوطنية، لكونها اعتمدت على برامج وخطط وتوجيهات المحتل الأجنبي، الهادفة لتفتيت بنية المجتمع العراقي الواحد تحت يافطة "الفيدرالية"، فقد تمخضت حوارات وتباينات وافتراقات قوى مايسمى "العملية السياسية" عن ولادة حكومة "المالكي" الناقصة عدداً والمشروخة تمثيلاً، كما عبرت عنها مواقف بعض الكتل المشاركة بتللك العملية كجبهة الحـوار، والجبهة التركمانية، بالرغم من اصرار قيادة الغزو الأمريكية وتابعتها البريطانية إطلاق صفة "الحكومة الدائمة" على هذه "الكومة" ـ عبارة توصيفية دقيقة يستخدمها العلامة المناضل آية الله العظمى أحمد الحسني البغدادي لتحديد الكتل والتجمعات المرتبطة بالمحتل ـ من أجل إعطائها مواصفات متقدمة على الديكورات الباهتة السابقة "حكومة مؤقتة أو إنتقالية" من خلال "قيادتها ؟!" للعراق لأربع سنوات قادمة، معتمدة _ كما تتوهم _ على متانة تحالفاتها المذهبية / الإثنية، وعلى حماية استمراريتها بفعل قوى الإحتلال، وعلى مقدرتها تحقيق نجاحات بارزة في مجالات الأمن وتوفير الخدمات في العراق "الديمقراطي الجديد".

نوري المالكي وطاقم حكومته قلقون من تطورات الأوضاع في "البصرة"، أما باقي المناطق العراقية التي تعاني من الموت الجماعي، عبر عمليات الاختطاف والتعذيب والإغتيال فلا تقض مضاجع "نزلاء المنطقة الخضراء". آخر المعلومات الموثوقة من إدارة "الطب العدلي" في العاصمة العراقية تبين أن 2429 جثة لمواطنين عزل تعرضوا للتعذيب والتشويه والقتل قد عثر عليها في "بغداد" لوحدها خلال شهري آذار ونيسان من هذا العام.

في مدينة "الموصل"، تؤكد آخر المعلومات بأن 69 شخصية عربية بارزة "علمية وإجتماعية وسياسية" قد تمت تصفيتها بطرق وحشية، من بينها ثمانية من أبرز الأطباء الإختصاصيين، وبعضهم أساتذة في كلية الطب خلال الأسبوع الثاني من شهر أيار المنصرم. العديد من المحافظات العراقية المقاومة للإحتلال، الرافضة لوجوده، يعاني سكانها من صواريخ وقنابل ومذابح قوات المارينز "حملة راية الديمقراطية المعولمة" ناهيك عن فقدان المواطن في عراق الإحتلال للماء والكهرباء ورغيف الخبز والأمن الإجتماعي. إن الحكومات التي أشرف على ترسيمها الحاكم العسكري أو السفير الأمريكي لا يمكن لها أن تعالج مشكلات الإنسان العراقي، لكونها واحدة من مسببات هذه المعاناة التي إرتبطت بالمحتل وأدواته.

خلال الأيام القليلة الماضية، حاول "المالكي" فرض وجوده وهيبته من خلال الإعلام، حديث هنا وتصريح هناك بهدف التأكيد على أن هناك "دوراً" لحكومته في ضبط إيقاع التطورات الداخلية، الأمنية تحديداً. فقد شن هجوماً على التشكيلات المسلحة الفئوية "كل ميليشيا موالية لحزب هي ميليشيا" مؤكداً قدرة حكومته على تفكيكها، مشيراً بشكل محدد إلى "البشمركة الكردية وجيش المهدي وحركة بدر". لن نستعرض هنا مواقف "برازاني وطالباني" في تأكيدهم على أن "ميليشياتهم" أصبحت الجيش الرسمي لمنطقتهم ذات العلم الخاص والنشيد الخاص والولاءات الخاصة! جيش المهدي وميليشيات الحكيم / العامري ومسلحي حزبه "حزب الدعوة" وكل المسميات الأخرى داخل إطار "الإختلاف" ستجد طريقة مناسبة للتعامل "الخجول" معها. ولهذا حرص المالكي على توضيح أفكاره، خوفاً من أن يسيء البعض فهمها، مستدركاً _ هناك احتمال لمنح معاملة تفضيلية للجماعات المسلحة التي حاربت حكم الديكتاتور صدام _ والتي كما يبدو هي ذات الميليشيات الفئوية السابقة الذكر. إن الإزدواجية التضليلية الواضحة التي تتسم بها هذه التصريحات تدل على حالة الإرباك التي تعاني منها رموز المحتل المحلية، كإنعكاس للحالة التي يعيشها "سيدها" في واشنطن ولندن. إن اللجوء لإعلان حالة الطوارىء لمدة شهر في مدينة البصرة، يحمل في طياته مخاوف حقيقية من أن تتحول الحواجز ونقاط التفتيش إلى كمائن حقيقية لاعتقال المقاومين الذي ألحقوا بقوات الاحتلال البريطانية خسائر كبيرة خلال الأسابيع الماضية. إن قوى "الاختلاف" التي حرصت على إقتسام كعكعة المحاصصة الخاصة بالانتخابات الأخيرة، تتقاتل اليوم فيما بينها من أجل زيادة حصتها ليس في عدد مرتزقتها في المجالس البلدية والمحلية فقط، بل أيضاً في هيمنتها وسيطرتها على تسويق النفط من خلال عمليات لامشروعة لتصديره.

فما بين حزب "الفضيلة" و مجلس "الحكيم" تتراوح عمليات النهب المنظم المعتمدة على عصابات مجرمة تنشر الموت والقتل والتدمير داخل المجتمع المديني / العشائري في المحافظة. في المؤتمر الصحفي المشترك الذي حضره "المالكي" و "طارق الهاشمي" المُعَيّن نائباً لـ "الطالباني" في مدينة البصرة، تحدث المالكي عن (الفلتان الأمني وضرورة معالجة دخول المتسللين وإنهاء حالات عدم الإنضباط الموجودة داخل أجهزة الشرطة والأجهزة الأمنية، مما يدفعنا إلى إلغاء بعض المديريات المتعلقة بالأمن). إن الأجهزة التي يتحدث عنها المالكي هي الغطاء الرسمي للميليشيات، لأنها التعبيرات المسلحة عن رؤى وأهداف قوى "الإختلاف". فحكومة المالكي المُشَكلة على أساس المحاصصة المذهبية والعرقية غير مؤهلة لمعالجة الأزمات والكوارث التي تعاني منها "البصرة" وباقي مدن العراق، لكونها الإمتداد الطبيعي لعقلية وسلوك المحتل، القائمة على تفتيت المجتمع وتذريته.

إن تجاوز أهل مدينة "البصرة" لمحنتهم التي هي الوجه الاخر لمعاناة وعذابات مئات المدن والبلدات العراقية، ستكون بعودة الوحدة المجتمعية لمدينتهم، والخروج من العقلية المذهبية المظلمة الموغلة بالتحجر والتخلف، من أجل توحد شعب العراق حول انتمائه الوطني / القومي ليستطيع مواجهة المحتل وإفرازاته البغيضة، كخطوة على طريق تحرير الوطن وبناء العراق الديمقراطي. ففي ظل خراب العراق كنتيجة حتمية للغزو الوحشي، تتصاعد عمليات المقاومة الباسلة في أكثر من مدينة، وتشهد المواجهات، والتفجيرات التي تستهدف قوات الاحتلال والعملاء في "العمارة، البصرة، كربلاء، الحلة، كركوك، بغداد والرمادي" على التطور النوعي في خطط رفض المحتل وعملائه. ويوما ً بعد يوم يتوضح مأزق قوات الاحتلال، فالسقوط الأخلاقي الذي عبرت عنه مذبحة "حديثة" لم يكن سوى حلقة في سلسلة الجرائم المرتبطة بالاحتلال. فمذابح تلعفر والقائم والنجف وكربلاء وسامراء والضلوعية والغزالية والموصل والفسفور الأبيض في الفلوجة، وجرائم معتقلات أبو غريب وبوكا والمطار، واغتيال المدنيين العزل في المساجد والحسينيات والكنائس وعلى الحواجز، ماهي إلا ّ التعبير الحقيقي عن سلوك وتصرفات الغزاة، المشبعين بتعبئة عنصرية حاقدة .

إن إعمار البصرة والفلوجة والموصل وتلعفر، لن يتحقق إلا ًّ بإعادة إعمار العراق، من خلال سواعد أبنائه وبناته، القابضين على البندقية والقلم في مواجهة قوات الغزو المجرمة وأعوانها المحليين.