أيمن الدقر بالاتفاق مع ابيض و أسود

يحكى أن (حشاشاً) مصرياً كان يجلس في أحد المقاهي المصرية ويبتكر الـ(نكات) على الحكومة المصرية ويتندر بقراراتها ويُضحك جميع من حوله، وكانت أكثر النكات إضحاكاً تلك التي كان يؤلفها على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ولما كان ذلك الرجل مستمراً على حاله يومياً، شعرت أجهزة الأمن المصرية بالانزعاج، فأبلغت الرئيس الذي طلب أن يمثل ذلك الرجل أمامه، ودار حوار بينهما الحوار التالي:

سأله الرئيس: لماذا تلقي النكات علي وأنا رئيس لأكبر دولة عربية؟ فأجاب الحشاش: لأنني أفكر كثيراً وأعرف كثيراً، وبناء عليه ألقي من النكات كثيراً. قال الرئيس: ألم أقم أنا بتأميم قناة السويس. فقال الحشاش: نعم. قال الرئيس: ألم أبنِ السد العالي؟ فأجاب الحشاش: نعم. قال الرئيس: ألم أقم المجتمع الحر والديمقراطية في مصر... فقفز الحشاش من كرسيه وصرخ: (لأ.. دي أنا ما قلتهاش)..

ما سبق يذكرني بنكتة (الظافر والقائد والرائد) وبالطبع كانت من النكات المبكية ومن لا يعرف الظافر والرائد... الخ، فهي مجموعة صواريخ مصرية أعلن عنها الرئيس الراحل (عبد الناصر) ونالت إسرائيل مقابل هذا الإعلان ترسانة عسكرية أمريكية متطورة استطاعت أن تستعمل (جزءاً منها) في احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وذلك في عدوان الخامس من حزيران 1967 ذلك العدوان الذي شكل أبشع هزيمة عرفها العرب في تاريخهم وأكدت الهزيمة أن لا هناك (رائد ولا ظافر ولا قائد) وأن الصواريخ التي أعلن عنها الرئيس (عبد الناصر) لم تكن إلا نكتة محزنة هذه المرة، وأن الفائدة الوحيدة من الإعلان عنها كانت هي (التصفيق الحاد والهتافات لناصر التي ملأت حناجر الشعب المسكين آنذاك) وأن (حشاش النكات) الذي تحدثنا عنه هو الأقرب إلى الشارع من زعيمه سواء بجدّه أو بهزله، وأن نكات الشارع تعبّر عن نبضه الحقيقي، أما نكات الزعيم فعبرت عن مراهقة سياسية يحق للشارع أن يتناولها..

المفاجأة أن تتحول الهزيمة في ذلك الوقت إلى نكسة.. وبالطبع فإن اللغة العربية بمفرداتها الفريدة والكثيرة يمكن أن تؤدي هذه الخدمة، فيما لو استطاع أحد فلسفة الهزيمة وتلميعها، وهذا ما حصل فعلاً، فالدول التي هزمت في الحرب الخاطفة أعلنت أن إسرائيل هي التي هزمت في الخامس من حزيران! رغم ابتلاعها مجموعة من الأراضي العربية، وأسباب هزيمتها أن العدوان الإسرائيلي كان هدفه إسقاط الحكومات الوطنية في تلك البلدان، وهذا ما لم يتحقق وبالتالي فإن عدم تحقيق الهدف يعني الهزيمة.. وهزمت إسرائيل في الخامس من حزيران ويا فرحة العرب!

وبما أن الأمة العربية تجمعها جامعة واحدة قوية متينة كخطابات الزعماء في ذلك الوقت (من المحيط إلى الخليج) فقد عقد مؤتمر الخرطوم وأعلن لاءاته الثلاثة، التي لم تنفذ منها أي دولة عربية لاءً واحدة (وكان كل يغني على ليلاه) ولم يبق في الميدان إلا (حديدان) سوريا ومصر والأردن..

الأردن لم تحرك ساكناً وكأن الأمر لا يعنيها... سوريا لم تطق الانتظار فقامت الحركة التصحيحية 1970 وأعلنت رفضها للهزيمة وأسبابها جملة وتفصيلاً.. ومصر عبد الناصر أدركت مراهقة قائدها الذي جرّ المنطقة إلى هزيمة نكراء وأعلن (مرحلة إزالة آثار العدوان) وإعادة بناء القوات المسلحة التي تم تدميرها في مطاراتها وثكناتها... ومات بعدها كمداً وحرقة (أو هكذا يقال).

حرب تشرين أكدت أن العرب قادرون على رد العدوان وتحقيق النصر على عدو ساهم في بناء قوته (الغرب وبعض الدول العربية) والدول العربية نعرفها جميعنا ولا داعي لذكرها، فقد كانت لا تمتلك إلا قدرة واحدة وهي (الخطابة) الطنانة والرنانة من دعمها اللانهائي لحق سوريا ومصر بتحرير أرضها ودعمها للشعب الفلسطيني... وينتهي كل ذلك ببيان يصدر وينشر في الصحف وينتهي الموضوع بعد انتهاء البيان وكأنك (يا أبو زيد ما غزيت). الرئيس السادات افتتح باب المحرمات واخترق لاءات الخرطوم علناً منذ أن (أحدث) أو (حدثت) ثغرة الدفرسوار في حرب تشرين والبقية معروفة.. وهرول العرب باتجاه اللاءات (الخرطومية) يخرقونها دولة تلو أخرى، ومر الزمن ومضى عليه تسعة وثلاثون عاماً حتى الآن ومازال الزعماء العرب في بياناتهم يؤيدون حق سوريا ويدعمونها لتحرير الجولان، ولكن هذه المرة عبر الفضائيات وعلى الورق أيضاً.. وتحولت أراضي بعضهم إلى خزانات أسلحة أمريكية (رغم دعمهم لحق سوريا!) بل وصلت بالبعض الوقاحة بتوجيه النصح لسوريا بأن تنهج نهجهم وكأن الجولان التي احتلت في الخامس من حزيران قد سقطت من (أجندتهم) هذا إن كانت موجودة فيها بالأصل..

قد يقول قائل: لماذا تتحدث عن حقائق نعرفها..؟ فأجيب إن جيلين لا يعرفون هذه الحقائق ومن حقهم أن يعرفوا ما سبق أن حصل ومن حقهم أن يعرفوا لماذا سوريا محاصرة.. ولماذا تعيش أزمات خانقة... من حقهم أن يعرفوا أن الشعوب عندما يختارون قادتهم يأملون أن تستقر مؤخرة الحاكم على الكرسي وعينه موجهة إلى الشعب... لكن أغلب حكامنا العرب كانت عيونهم مستقرة على الكرسي، ومؤخراتهم موجهة إلى شعوبهم... ولذلك أقول للجيلين اللذين لم يتعرفوا إلى المد القومي أو إلى بعض الزعماء العرب الذين رحلوا والذين راهق بعضهم سياسياً من أجل كرسيه وترك الهزائم لشعبه... الخ. إن هؤلاء بازدياد وهرولة تسبق سرعة الضوء باتجاه بعض دول الغرب التي تتمتع (بالديمقراطية الرحيمة) وباتجاه إسرائيل (التي تخشى أن يرميها العرب في البحر!) وهم خائفون على الغرب وإسرائيل أكثر من (جورج واشنطن وهرتزل).. أقول لهؤلاء إن الولايات المتحدة وبعض دول الغرب وإسرائيل لن يقبلوا تنازلاً أو صلحاً أو سلاماً مع دولة كسوريا.. وأن الذين يتساءلون على ماذا تراهن سوريا؟ وكيف ستقف في وجه هذه الهجمة (وهم مستغربون)؟ أقول لكل هؤلاء اعقلوا.. وتوكلوا.. والحل الوحيد هو المواجهة بالقوة، القوة التي يرفع وتيرتها.. الحب والانفتاح على الداخل، والديمقراطية وحرية الرأي، واستيعاب الرأي الآخر، وعندها ستمحى هزيمة حزيران بتشرين آخر..