صلاح عمر العلي

بعد مخاض شائك وعسير استغرق 155 يوما بالتمام والكمال، ولدت وزارة السيد المالكي الدستورية والتعددية والديمقراطية، والاستحقاق الانتخابي والوحدة الوطنية والاتحادية والفيدرالية والميليشياوية والاقاليمية، على ايدي القابلة الامريكية (خليل زاد) وعلى سرير المحاصصات الطائفية والاثنية والحزبية، الذي اصبح نظاما يستحيل تجاوزه على رغم الدعوات الواسعة التي تطالب باعتماد الوحدة الوطنية لتجاوزه، التي توزعت بموجبه مختلف المناصب الوزارية وغيرها والتي سينسحب مفعولها خلال الايام القادمة على كل المواقع الحكومية الرئيسة المدنية والعسكرية والامنية، بحيث تعاد صياغة الدولة على وفق هذه المقاسات الشاذة التي لا يمكن بحال من الاحوال دفع عجلة اعادة البناء والاعمار ومن ثم معالجة ملفي الامن والاحتلال على اساسه مطلقا.

والملاحظ ان المولود الجديد (وزارة المالكي) ولد مشوها خلقيا فهو يملك لسانا طويلا اكثر من المعتاد , في ما يمكنه التحدث بطلاقة واسهاب عن مواضيع كثيرة مثل قضايا الامن ومحاربة المسلحين والصداميين والتكفيريين، واجتثاث البعث، وحل المليشيات المسلحة بما يصل الى اربعة وثلاثين موضوعا في لحظات ، الا انه سرعان ما يصاب بالتأتأة والفأفاة والعجز عن التحدث عن الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال الاجنبي من ارض العراق واستعادة السيادة الكاملة للشعب العراقي ومراجعة الدستور الذي وضعه سيء الذكر بول بريمر بما يتوافق مع مصالح وحدة شعب العراق والمحافظة على هويته العربية والاسلامية.

وفي وقت يفتقرفيه الى اسنان ومخالب وذراعين مشلولين غير قادرين على الحركة، يتحدث بصوت مرتفع يسمعه الجالسون في البيت الابيض الامريكي والوايت هول البريطاني، عن القضاء على الارهاب الذي يقصد به هنا المقاومة الوطنية الباسلة التي زعزعت اركان قوات الاحتلال، وجعلتها تتحدث بصوت مرتفع عن احتمالات الانسحاب من العراق.

واجبرت بلير وبوش على التعجيل بتحديد موعد للتباحث في ما بينهما عن امكانيات التحضير للانسحاب من العراق باقرب الاجال. كما اكدت ذلك صحيفة الغارديان البريطانية الثلاثاء الماضي بقولها ان خطة بوش وبلير للانسحاب من العراق ستكون اسرع واوسع من المتوقع.

صحيح ان من غير الجائز المراهنة على قدرات المالكي في النجاح او الفشل قبل ان ياخذ فرصته في التحرك والعمل والانجاز. ومن ثم اصدار الحكم بعد ذلك عن مقدار نجاحه او فشله. ولكننا استنادا الى معطيات السنوات الثلاثة الماضية من التجارب المماثلة التي فرضت على العراق من قبل قوات الاحتلال التي رعت ولادة هذا المخلوق المشوه (مجلس الوزراء) منحتنا القدرة على الحدس والاستقراء والاستنتاج ومن ثم اصدار الحكم الدقيق على الامور.

فهل يمكن لوزارة تشكلت على قواعد المحاصصات الطائفية والاثنية والحزبية ذاتها التي تشكلت بضوئها الوزارات الثلاث السابقة وبالافكار والتوجهات السياسية والادوات البشرية ذاتها تقريبا مع بعض التغييرات الطفيفة هنا او هناك مما لا يمس جوهر الموقف او الاتجاه السياسي او الفلسفة التي اعتمدت من قبل تلك الوزارات القائمة على القمع والارهاب والفساد المالي والاداري وسرقة المال العام، في مقابل تغييب مقاييس المواطنة والكفاءة والاختصاص، هل يمكن ان تحقق نجاحا في اي ميدان من ميادين عملها؟..

لم نجد في هذه الوزارة ما يوحي بقدرتها على الخروج من الواقع الذي ساد المشهد السياسي العراقي منذ ما يزيد على ثلاثة اعوام ، فهي حكومة تشكلت بقالب المحاصصة الفئوية جرياً على عادة الحكومتين السابقتين ومعهما مجلس الحكم سيء الصيت، الامر الذي يحول دون امكانية تلمس الطريق السليم ما دام مزروعاً بتلك الالغام التي غرسها في قلب الساحة السياسية العراقية الممثل المدني لقوات الاحتلال المجرم الجزار بول بريمر.

ان للفشل ضوابط واسبابا وشروطا. اما النجاح فله ضوابطه وشروطه واسبابه التي تختلف عن اسباب الفشل ليس من بينها النيات الشخصية لهذا المسؤول او ذاك، وليس في الوزارة الجديدة من الشروط ولا الاسباب التي تختلف عن الشروط والاسباب للوزارتين الفاشلتين، فمن غير المنطقي بناء على هذه المعطيات الواضحة توقع ان يؤول مصير هذه الوزارة الى غير ما آلت اليه الوزارتان السابقتان من الفشل الذريع في تحقيق اي انجاز ايجابي مهما كان صغيرا ناهيك عن المآسي والاحزان التي تركتها في كل بيت عراقي.

فاذا اريد ان تكون لهذه الحكومة فرصة الخروج من المازق الذي دخلت فيه الحكومتان السابقتان والتخلص من العثرات والاشكالات والمعوقات وتحقيق قدر من النجاح في مهمتها فان ذلك سيتوقف على قدرتها في تجاوز الحديث عن النيات والاماني الوردية والعمل بدلا عن ذلك على تضمين الخطة السياسية لهذه الوزارة الشروط اللازمة للنجاح، التي تجمع عليها مختلف فئات الشعب العراقي وشرائحه والتي يمكن اجمالها في الآتي: اولا : ان تقنع مختلف القوى العراقية بصدقيتها ونياتها، وذلك يقتضي مبادرة واضحة وجريئة بوضع جدول زمني مضمون دوليا لانسحاب قوات الاحتلال من العراق، كي يقتنع المواطن العراقي بالدرجة الأولى بجدية الحكومة وتوجهاتها الوطنية، وأنها مقطوعة الصلة عن الحكومات المؤقتة السابقة وليست استمرارا لها. فخروج الاحتلال من العراق هدف وطني عراقي لا يحتمل التأجيل أو التأخير بعدما ثبت للعراقيين بالبرهان واليقين أن للاحتلال أهدافاً ومصالح تتقاطع تماماً مع أهدافه ومصالحه، وأنه تحول الى خطر فعلي نتيجة لممارساته الاجرامية بشكل يومي.

ثانيا: الاعتراف بالمقاومة الوطنية العراقية التي اتخذت من مبدأ تحرير العراق واعادة السيادة الكاملة للشعب العراقي هدفا لها في مقابل تحريم الارهاب الذي يستهدف قتل المواطنين العراقيين والاضرار بالمؤسسات العراقية المختلفة.

ثالثا: الاصرار على حل مختلف تشكيلات المليشيات المسلحة مهما كانت هويتها او اتجاهها او اهدافها بعد تجريدها من السلاح ومن ثم توزيع منتسبيها على مختلف اجهزة الدولة على اساس فردي مع مراعاة الاختصاص لكل شخص. واحالة من ارتكب منهم جرائم ضد المواطنين او المؤسسات العامة، الى القضاء.

رابعا:التعهد باعادة النظر جذريا بمواد الدستور واعادة صياغته بما يضمن وحدة العراق الشعبية والجغرافية والسياسية، وتأكيد حقوق كل مكونات الشعب العراقي بصورة متساوية ومن دون تمييز.

خامسا:إعادة بناء النظام السياسي العراقي على أساس المواطنة‏,‏ بحيث يتساوى كل أبناء العراق أمام الدستور والقانون‏,‏ أيا كان أصلهم الديني والعرقي‏,‏ بحيث يتم الفرز السياسي على أسس وطنية عامة وليس على أسس طائفية أو عرقية‏,‏ فهي المخرج الحقيقي للعراق من دوامة النزعات الطائفية والعرقية التي تهيمن على الحياة السياسية في العراق منذ ثلاثة اعوام ‏,‏ وتهدد وحدته الوطنية بصورة لم يسبق أن تعرضت لها من قبل‏.‏

سادساً:إطلاق عملية حوار وطني شامل بين كل المكونات والأحزاب العراقية برهانا اوليا على جدية الحكومة وإيمانها بالوحدة الوطنية التي تشكل صمام أمان في مواجهة كل مؤامرات التقسيم والتفتيت والحروب الأهلية، كما أنها تشكل دعامة أساسية في مواجهة كل من يعيث قتلاً واستباحة لدم العراقيين.

ان نجاح اي عملية سياسية لا يمكن ان يتحقق اعتمادا على النيات، دون ان تخضع لمنظومة من القواعد والشروط والالتزامات الدقيقة، فكيف بنا ونحن امام وضع استثنائي يعيشه العراق منذ ما يزيد على ثلاثة اعوام؟.

اما الاستمرار في الحديث عن تغيير هذا الوزير او ذاك او منح هذا المنصب الوظيفي لهذه الفئة او تلك من فئات الشعب كوسيلة لايهام المواطنين بان في ذلك يكمن الحل الجذري للمشاكل المستعصية التي تعيشها بلادنا فلم يعد يجدي نفعا ولن يحقق سوى المزيد من الازمات الوطنية وتفاقمها. لان المواطن العراقي اصبح يدرك اكثر من اي وقت مضى ان محور المشكلة وجذرها الاساس يكمن في فرض قوات الاحتلال الاجنبي اجندتها الخبيثة التي تستهدف استمرار هيمنتها في السيطرة على العراق من خلال خلق الازمات والاتشقاقات وفرض الصراعات والاحتراب، وتقسيم البلاد الى كيانات متناحرة ومتقاتلة في ما بينها. صحيفة الوفاق الديمقراطي